امى اخدت اختى الكبيرة
على الباب بتمنى يرجعوا.
فاتوا ساعتين.. أصعب ساعتين عدوا عليا في حياتي.
سمعت صوت باب البيت الخشب بيتقفل بالراحة. خرجت اجري على الصالة، لقيت أمي داخلة لوحدها، وشها هادي جداً، ومافيش في إيدها أي حاجة.
جدتي خرجت من المطبخ وهي محتارة، وبصت ورا أمي وقالت: “فين أحلام يا صفية؟”
أمي ردت ببرود “تاهت مني.. وملاقيتهاش.
”
جدتي إيديها اترعشت، والطبق الفخار وقع من إيدها اتكسر على الأرض، وقالت بصدمة وحزن: “هو انتي خدتيها المولد يا صفية؟!”
ردت أمي بصوت هادي: “ايوه.”
وسكتوا.
النقاش بينهم اتقطع فجأة وبشكل غريب، كأنه سر أو موضوع مكتوم مش عايزيني افهمه ولا أسمعه. جدتي قعدت على الدكة وتبكي بسكوت، وأمي دخلت المطبخ عادي جداً، وبدأت تحضر الغدا بهدوء! لا عيطت، ولا صرخت، زي أي أم بنتها تاهت، ولا حتى راحت للمركز تعمل بلاغ للبوليس!
من اليوم ده، أحلام اختفت من حياتنا كأنها ما اتخلقتش.
عدى 8 سنين كاملين على الليلة الشؤم دي. 8 سنين وأنا كبرت وبقى عندي 19سنة، بس لسه ببكي على أحلام كل ليلة تحت البطانية. كرهت الموالد، وكرهت المراجيح، وكرهت أصوات الأغاني والأنوار اللي بتنور السماء في الموسم ده. المولد بالنسبة لي كان الموت اللي خطف أختي وتوأم روحي.
وفجأة من شهر، أتقدم لي شاب من البلد، اسمو محمود، ابن ناس طيبين وشغال في صيدلية، وقال إنه هيخلص شقته في خلال شهور ونتجوز. جدتي وافقت، وأمي وافقت من غير ما
تتكلم كتير، وأنا بيني وبين نفسي قلت شاب كويس وابن حلال ومافيش فيه عيب، يمكن ربنا بيرد لي جزء من الفرحة اللي راحت مني.
ونمت ليلتها وأنا بحاول أقنع نفسي إن اللي جاي أحسن.
تاني يوم الصبح بدري، صحيت على إيد بتتحرك على كتفي بالراحة. فتحت عيني بالتدريج، لقيت أمي واقفة فوق راسي.
نفس النظرة الخالية من التعبير.. نفس البرود العجيب اللي شفته من عشر سنين.. ونفس الهدوء المرعب.
قربت مني، وبصوت واطي قالتلي:
“قومي البسي يا عبير.. هاخدك افسحك في المولد قبل جوازك.”
في اللحظة دي، حسيت
كأن ملاك الموت دخل الأوضة. قلبي وقف والكلمة رنت في ودني زي صدى صوت جاي من القبر. نفس النبرة، ونفس الطريقة، ونفس المولد اللي خدت فيه أحلام وما رجعتش بيها!
بس أنا ما اعترضتش. ما نطقتش بحرف.
لبست هدومي وروحت معاها من سكات لأني كنت مستعدة أدفع عمري كله بس افهم سر المولد!!!!!
وقفت قصاد المراية، إيدي كانت بتبصم على طرحتي بالعافية من كتر الرعشة. قلبي كان بيدق زي الطبل، بس مش من الخوف.. كان بيدق من شغف رهيب ومخيف، شغف إني أخيرًا هعرف السر اللي دفنته أمي جوة قلبها من تمان سنين. خرجت وراها وهي ماشية بخطوات ثقيلة ومحسوبة، لا بتلتفت وراها ولا بتبصلي، كأنها مسحورة أو رايحة تنفذ مهمة متأجلة من سنين.
الدنيا كانت ليل، وأصوات الأغاني الشعبية والمزامير جاية من بعيد، والأنوار الملونة للمولد مالية السما. كل خطوة كنا بنقربها من ساحة