جدتي كانت محبوبه
جدتي الله يرحمها كانت محبوبة من كل الناس بلا استثناء, بل وكانت لها مكانة كبيرة في العيلة عندنا, مكنش حد بيقدر يكسر لها كلمة أو يقولها تلت التلاتة كام, خاصةً لما كانت تحصل مشكلة عائلية كانت ممكن تمسك العصاية وتضرب اللي غلطان ومكنش بيقدر يعترض ولو بنص كلمة..
حتى أزواج خالاتي لما كان حد بيشتكيلها من واحدة منهم كانت بتجبله حقه وتخلي بنتها تطيع جوزها وتنصاع له تماما, ومع ذلك كانت في قمة الحنية مع الأطفال وكانت في المناسبات تلف علينا واحد واحد تشوف مين لسة جعان ومين نايم مش متغطي وتفضل طول الليل تلف علينا وتطمن اننا بخير, ست من الزمن القديم اللي يتحطوا على الجرح يطيب, ومن حُسن حظي اني كنت المفضلة عندها وأقرب واحدة لقلبها من وسط عشرين حفيد وحفيدة, كانت دايما تسأل عني ويا ويل ابويا وامي لو راحوا مناسبة ومخدونيش معاهم..
كانت دايما بتتفائل بيا وتقول اني وش الخير لأن يوم ولادتي كان غريب أوي ومش مفهوم, كانت ولادة متعثرة جدا وأمي بين الحياة والموت يومها والدكاترة مش عارفين يلاقوا أي حل خالص في الموضوع, لدرجة انهم طلعوها وهي بين الحياة والموت وطلبوا نقلها لمستشفى تانية, وقتها جت جدتي واتغلبت على خمس دكاترة وولدت أمي بكل سهولة ونزلت على ايد جدتي, ومن يومها وهي اللي طلبت تسميني “مريم” على اسم أطهر ست في الكون وهي السيدة مريم أم المسيح عيسى عليه أفضل الصلاة والسلام, وكانت بتهتم بيا اهتمام خاص..
وده ربى في قلبي محبة ليها وصلت للسما حرفيًا, حبتها اكتر من أمي وابويا ومن الدنيا كلها, بل وكنت بتعمد اتباهى بحبها ليا في أي مناسبة لدرجة ان أمي نفسها كانت بتغير من حبها ليا, وكنت بتستنا كل عيد بفارغ الصبر عشان اقعود معاها انا واطفال العيلة عشان تفضل تحكي لينا قصص العفاريت والجن..
وكانت دايما بتنصحنا ليل نهار اننا نقرأ الأذكار وإلا هيحصلنا زي ما حصل لعزيزة, ورغم اننا كنا كل مرة بنسمع منها حكاية عزيزة بس مكناش بنمل من سماعها الف مرة بإسلوب جدتي..
كانت بتقول ان عزيزة دي كانت فلاحة من الفلاحين اللي بيروحوا يوميا يساعدوا أهاليهم في زراعة الأرض وتربية المواشي وغيره, وفضلت لحد ما وصلت لسن تلاتين سنة وهي لسة متجوزتش, ودي كانت كارثة زمان في حق أي بنت انها توصل للعمر ده ولسة متجوزتش, خاصةً ان البنات من أول 14 سنة كانوا بيتجوزوا, وفضلت عزيزة تتحمل وتتحمل كلام الناس لحد ما فجأة ظهر شاب من بلد تانية وطلب انه يتجوز عزيزة..
كانت شايفاه المُخلص اللي هيخلصها من كلام الناس اللي كان بينهش في جسمها ليل نهار, واتجوزت عزيزة واتحولت حياتها 180 درجة للسعادة والفرحة, بس بعد جوازها بتلت شهور بس جوزها غرق في الترعة ومات, واتصدمت عزيزة صدمة عمرها, وبدأ الناس يشوفوها انها شؤم, فضلت عانس لسن 30 سنة ولما اتجوزت جوزها غرق, واكتأبت عزيزة أيام طويلة لحد ما فجأة بدأت تظهر من تاني وهي فرحانة جدا وتقول جوزي عايش مش ميت, جوزي عايش مش ميت..
بل وبدأت تقول انها هتساعده انه يرجع من تاني, الناس شافوها مجرد واحدة مجنونة, بس هي كانت بتتكلم بيقين غريب انها هترجع جوزها من تاني, وواحدة واحدة بدأت الناس تلاحظ ان عزيزة شكلها بيتغير, وبتتكلم في أوقات بصوت جوزها الميت, وفضلت على الحال ده أيام طويلة لحد ما الناس بدأوا فعلا يخافوا منها, وبدأ الكل يعتبرها ملبوسة بالشياطين, لحد ما في ليلة لقوا عزيزة غرقانة في الترعة ووشها أزرق زي الأموات, وفي نفس المكان اللي مات فيه جوزها..
واللي عرفه أهل البلد بعدها انها راحت لدجال وعلمها طُرق لتحضير الأرواح ورجوع الاموات من الموت, وفضلت تحاول من خلال السحر الأسود اللي اتعلمته شهور طويلة لحد ما كانت نهايتها الموت غرقانة زي جوزها بالظبط..
كانت أكتر حكاية بنحبها من جدتي, وكانت دايما تفهمنا ان اللي بيموت مبيرجعش تاني أبدا لأنه بيكون في عالم البرزخ عند ربنا, وان الصبر واليقين دايما بيكونوا بذكر الله مش بالاستعانة بالسحرة والدجالين والجن, وعدت السنين لحد ما بدأت أمراض الشيخوخة تظهر على جدتي اكتر واكتر, لدرجة ان جالها زهايمر ومبقتش بتفتكر حد مننا غيري انا..
وفي ليلة لقيت خالي بيتصل بيا وبيقولي ان جدتي تعبانة أوي وعايزة تشوفني ضروري, جريت انا وأمي لبيتها عشان أشوفها وهي بتحتضر, كانت في مرحلة سكرات الموت وعنيها عمالة تبص بخوف ناحيتنا, بس أول ما شافتني اطمنت وهديت وبدأت تعرق وتتشاهد لحد ما ماتت, ماتت وهي في حضني..