3دقايق
من تلت دقايق بس سمعت أسوأ الشتايم اللي ممكن تسمعها في حياتك وكلها متوجهة ناحيتي أنا، ولو انت متخيل إني هروح أضرب واتخانق مع اللي كان بيشتمني فانت موهوم، لأني بعد دقيقة واحدة هكون برقص وسط الناس على المركب والمفترض إن ضحكتي تكون على آخرها وأتغلب على أي ست ممكن ترقص قصادي رغم إني المفترض يعني أنتمي لمعشر الرجال.
قصة معقدة وغريبة، بل ممكن تكون أغرب قصة هتسمعها في حياتك، بس مش هقدر أحكيها إلا لما أخلص النمرة بتاعتي، طلعت على المركب وسط النيل واشتغلت الأغاني وبدأت أرقص، وعيون الكل بتراقبني وألف الف كلمة مزروعة جوة كل العيون، الرجالة بيضحكوا بسخرية، العيال بيتحرشوا بيا، والستات شايفين قدامهم مسخ مش معروف ده راجل ولا ست.
اتولدت في عزبة مشهورة في القاهرة، أبويا اتوفى قبل ما اتولد وأمي اتجوزت واحد تاجر مخدرات، واشتغلت عنده عبد بالمعنى الحرفي، عبد لشهواته ونزواته، كنت بجهز كل قعدات الكيف اللي بيقعدها مع أصحابه، وكانوا بيتعاملوا معايا على إني بنت مش ولد، سنين طويلة لحد ما طردني من البيت لما زهق مني ولقيت نفسي مرمي في شوارع القاهرة، وبقيت بقعد 24 ساعة على النيل أتسول، وبقيت بساعد اصحاب الفالوكة (المراكب) عشان يدوني أي فلوس، لحد ما في مرة ركب 3 شباب كانوا يعرفوني الفالوكة وشافوني، وبدأوا ينادوني بفاتن ويضحكوا، وسمعهم صاحب المركب وقالي أدخل أرقص وسط البنات عشان أجذب الناس وهيتعملي مرتب.
وللأسف مكنش فيه خيار تاني، أو أنا اللي كنت زي الأعمى باصص تحت رجلي، من بعد المغرب كانت الفالوكة تقف على شط النيل تشغل أغاني والبنات ترقص بأقذر الرقصات الممكنة عشان الناس تتجمع ويركبوا، وتتحرك الفالوكة وتلف نص ساعة في النيل وترجع بعد ما صاحبها يلم فلوس محترمة.
وركزت في شغلي، ركزت لحد ما اتشهرت وبزيادة، وبقيت برقص أحسن من أي بنت، وبتعامل كأني بنت، وبيتحرشوا بيا أكتر من أي بنت موجودة، قرد بصديري وكل الناس بتتسلى بيه، ومع الوقت ولسبب غريب جسمي نفسه وكأن هرموناته اختلت تماما وبدأت تظهر عليا معالم الأنوثة، تخيل بعد سنتين بقا شكل جسمي أنثى وغير متناسق مع بعضه، والوجه وجه ذكر مشعر أي حد يبصله يقرف منه.
وكأن النفسية ممكن تغير حتى من هرمونات الجسم، وبقيت بسمع بوداني كلمة (مسخ) (الواد البت) (الواد الشا-ذ) واكتشفت ان ممكن العا_هرة تتحمل كل الكلام ده وميأثرش فيها أوي، انما انا كنت بتأثر فوق ما تتخيل، كنت بخلص يومي وأفضل أجرح نفسي بالموس لحد ما أشوف الدم بينزل مني عشان أرتاح، تمنيت أرمي نفسي في النيل أكتر من مرة، أقطع شرا_ييني، أعمل أي حاجة في نفسي، بس كنت أضعف من إني أعمل كدا، نفسيتي هشة أكتر مما تتخيل، وبقيت بحقد على أي شاب لمجرد بس ان جسمه متناسق ويتشاف يتقال عنه راجل عادي، أما انا من شكلي بس كنت بشوف نظرات القرف والتقزز في عيون الناس، فكرت أكتر من مرة البس زي البنات واخبي وشي، لأن جسمي وكأنه بنت أكتر منه راجل، بس كان هيكون أصعب عليا بمراحل.
وكرهت الناس، كرهتهم يوم بعد يوم، وبقيت بتمنى من قلبي أعذبهم عذاب لا يُطاق، أشوف في عنيهم الخوف مني وبس، أو حتى الرهبة، طيب شوية احترام، لحد ما جت الليلة الأغرب في حياتي.
كنت برقص على المركب والكل بيناديني بفاتن زي العادة لحد ما عيل بدأ يضربني بالعصاية على جسمي كله، وشوية وكل العيال بدأت تركب على كتفي ويقولوا (شي يا حمار) والقواعد بتقول اني أضحك وأكمل رقص، وبدأت الدموع تنزل من عنيا وانا برقص، دموع كتير أوي، ومع ذلك بتكلم بميوعة زي البنات، ممنوع أعمل غير كدا، حتى لو هتجيلك جلطة بسبب كتم مشاعرك.
وبعد ما انتهى اليوم وقفت على سور الكوبري وانا براود نفسي أبقا شجاع ولو لحظة واحدة في حياتي وارمي نفسي من فوق، ولأول مرة اتغلب على خوفي فعلا وكنت خلاص هعملها، لولا إن حد مسكني، كان راجل غريب وشكله مخيف، دقنه قصيرة ومدببة وعنيه جاحظة ومبترمش خالص وسنانه مكسرة، سحبني بعيد وسألني عن سبب اللي بعمله ده، كنت عايز أبكي بس خوفي منه تغلب عليا أكتر ومقدرتش أعمل أي حاجة قدامه.
لقيته بيحكي عن كل اللي جوايا، واني بتمنى فعلا الناس تهاب مني وتحترمني، وانه يقدر يقدملي ده بس أسمع كلامه، ورغم خوفي منه مسكت فيه بإيدي وسناني، هل فعلا ممكن أشوف نظرة احترام أو حتى هيبة مني، بدل نظرات الاحتقار والسخرية والاشمئزاز دي.
وطلعنا على مقابر مشهورة أوي في القاهرة، وبالأخص في مصر القديمة، قالي اني هبات عنده وهيورثني العِلم الأحمر اللي هيخليني فوق كل الناس، وزي المجذوب مشيت وراه، مكنتش بفكر في أي حاجة غير إن الناس تهاب مني وبس، أنتقم لنفسي ولكرامتي من كل لحظة وكل كلمة سمعتها.
وعرفت انه طالب للعلم الروحاني، وانه بيفتش عن العلوم الروحانية اللي مش أي حد يقدر يعملها، وانه بيقدر يسخر خدَام من الجِن مش أي حد يقدر يسخرهم، ولو أنا سمعت كلامه هيعمل ليا خدمة تحققلي أي أمنية ممكن أتمناها في حياتي، وبدأت الخِلوة عشان أتطهر من حياة الدنيا زي ما بيقول، فضلت محبوس عريان في أوضة لمدة 40 يوم كاملين، باكل تمر ولبن طعمه غريب، وبقضي حاجتي في جردل كبير، ممنوع أشوف نور الشمس، وممنوع أقول إني متضايق أو أطلب الخروج.
40 يوم خسيت فيهم وبقيت هيكل عظمي، 40 يوم عدوا وكأنهم 40 سنة عليا، بس لما خرجت الوضع كان مختلف تماما، بقيت بسمع أصوات غريبة في الجو، وبقيت بشوف خيالات في كل مكان، وفهمت منه إني بقيت مهيئ عشان تكون ليا خِدمة، بس لازم أكمل الطقوس، ومينفعش طالما بدأت طقس إني أقف، وتاني حاجة فوجئت بيه بيدخلني جوة قبر وبيسبني فيه تلت ساعات كاملين، تلت ساعات وانا مرمي على رملة القبر، حاسس بملمس العضم وشامم ريحة الموت، لحد ما خرجت وانا شعري أبيض وتايه زي المجانين.
وفضلت معاه اسبوع كمان لحد ما في النهاية قالي إن بكرة هتتم مراسم الخدمة وهيبقا ليا خدم من الجِن، ونمت، نمت زي المقتول، بس فوجئت وانا نايم بقزم شكله بشع، عنده عين عورة وأقرع بيصحيني بقسوة وبيشدني بعنف، قمت معاه وانا مرعوب لقيته بيفتح كتاب وبيدهوني.
وقرأت، قرأت جملة رعبتني
(تتم التضحية بخنثى، لا هي من الإناث ولا من الذكور صبيحة يوم الجمعة على غير طهارة، وبعدها يتم إبرام العقد)
ووقع الكتاب من إيدي، رجعته مكانه وملقتش القزم جمبي، رجعت الأوضة وانا مرعوب، بكرة الجمعة، بكرة الراجل قالي إنه هيسخر الخدَّام، بس يعني ايه هيضحي بخنثى، الخنثى دي هي مزيج بين الذكر والأنثى، يعني كان بيستخدمني في أسحاره، عايز يقتلني عشان يعمل طقس سحري.
خبيت في إيدي سكين واستنيت وانا مرعوب، وأول ما لمحت في عيونه الغدر طعنته طعنة موت وهربت، هربت من البيت كله وجريت في الشوارع، بجري ناحية النيل عشان أنهي حياتي كلها، بس وانا بجري خبطت في راجل قوي ووقعت من الخبطة، كنت هزيل وبترعش ومش قادر أتكلم.
لقيته بيطبطب عليا وبيسألني عن سبب رعبي وازاي بجري وسط العربيات بالطريقة دي، وأول ما بصيت في عنيه خوفت، كان راجل بدقن طويلة بيضا وعنيه سودة وشكلها مُرعب، طمني وخدني معاه في عربيته لسبب مجهول، قولتله إني رايح أقتل نفسي، واني خلاص مش هقدر أعيش تاني في الدنيا.
سحبني بهدوء وخدني معاه ناحية المسجد، وكانت أول مرة من سنين طويلة أدخل المسجد، وقفت على الباب زي الصنم مش عارف أدخل، طمني ان كل حاجة هتكون بخير وطلب مني أتوضى وأصلي معاه الجمعة وبعدها هنتكلم.
وسمعت الخطبة، الخطبة اللي خلتني أبكي وسط الناس بصوت عالي، الخطبة اللي كان عنوانها (الله لطيف بعباده) وبعد ما صلينا قعدنا أنا وهو وحكيت كل حاجة، 3 ساعات كاملين سمع مني فيهم كل حاجة تفصيلا.
في النهاية قالي انه شيخ من مشايخ الأزهر بيعالج بالقرآن، وشاف إن فيه أذى فيا عشان كدا قرر يسمعني، كلمني عن عمر بن الخطاب وقالي ازاي انه اتحول من قمة الكفر لأفضل ثاني رجل في أمة محمد، كلمني عن خالد بن الوليد وازاي بعد ما كان بيقتل المسلمين بقا سيف الله المسلول، قالي إن أي انسان في الدنيا بعد الاستعانة بالله قادر يغير حياته كلها للأحسن مهما كان، والغبي بس هي اللي بيستسلم لمصيره بدون ما يحارب.
وانك سهل جدا في لحظة واحدة تخرج من قاع الجحيم لقمة النعيم، وذكرني برحمة ربنا اللي تجلت في جن من خدام الساحر قرر يغدر بيه ويعرفني بمصيري عشان أنجو من الفخ ده، ورحمته اللي تمثلت إني أقابله ويكلمني، واتغيرت، اتغيرت لدرجة لا يمكن تصورها.
بقيت بصلي الفرض في المسجد، أجرت شقة واشتغلت في الأزهر، حفظت كتاب الله وربيت لحيتي، نفسيتي ارتاحت تماما وهرموناتي الذكورية اشتغلت تاني، لعبت رياضة لمدة تلت سنين وبقيت بدخل بطولات كمان، بقيت بسمع بوداني الناس بيقولوا عني ان الراجل ده نظراته كلها رهبة وبقوا بيحترموني احترام مبالغ فيه، وقريب كمان هتجوز زي أي انسان طبيعي.
يمكن كانت تجربة قاسية بس اتعلمت منها كتير، اتعلمت ان مهما كنت فانت قادر بقدرة الله تخرج من اللي انت فيه، واحد مدمن على المخدرات، ست واقعة في مستنقع الخيانة، واحد بيزني ليل نهار، واحد بياكل حرام، واحد حياته كلها متدمرة، أعتقد استحالة هتكون حياتك كانت أسوأ مني أنا، أنا اللي مكنتش أصلا عارف أنا راجل ولا ست، لو توكلت على الله بحق هتتحول 180 درجة وهتبقا أحسن انسان في الدنيا، ولو مقدرتش فلا تلومن إلا نفسك.
(ومن يتوكل على الله فهو حسبه)
بقلم: أحمد محمود شرقاوي