بعد ولاده مراتي
فهمت اللعبة. اللحمة دي ما كانتش لحمة حيوان، دي كانت تجسيد ل طمع العيلة، وكل ما بيزيد الطمع، الكيان ده بيزيد قوة. يا رانيا! صرخت بأعلى صوت عندي، مش بطلب النجدة، بس بصرخة خالية من أي خوف. أنا مش ندمان على اللحمة.. أنا ندمان إني فكرت في يوم إن البيت ده ممكن يجمعنا في سلام وأنتوا قلوبكم سودة!
الكيانات اللي في الأوضة اتجمدت. صوت التزييق وقف. رانيا أو اللي جواها اتنفضت لورا كأنها اتكهربت. بصيت في عينيها اللي كانت لسه حمرا، لقيت دمعة حقيقية بتنزل منها، دمعة بشرية بتغسل السواد اللي في عينيها.
أحمد؟ صوتها رجع طبيعي، كان واهن ومكسور، إنت.. إنت عملت إيه؟
بصيت لكتفي، الجرح كان بيلم بسرعة، وبدأت ريحة العفن تتبدد وتتحول لريحة بخور قديم. تامر وأبويا اللي كانوا بيخبطوا بره، سكتوا تماماً. البيت سكن بطريقة مرعبة، سكون الموتى.
مديت إيدي وخدت بنتي من على السرير، كانت نايمة بعمق كأنها ما حستش بحاجة، بس جسمها كان دافي بطريقة غريبة. رانيا وقعت على الأرض، منهكة، والكيانات اللي كانت سكنة جسمها خرجت في صورة دخان أسود اتلاشى في سقف الأوضة.
بصيت من الشباك، الشارع كان فاضي، بس النور اللي في بيت أبويا تحت طفى خالص، ورجعت الدنيا طبيعية، كأن ما حصلش حاجة. لكن لما نزلت أنا ورانيا بالبنت، وخرجنا من باب البيت، سمعت صوت همس ورايا، صوت أبويا، بس المرة دي كان صوته الحقيقي، صوت راجل عجوز مكسور يا ابني.. اللي بياكل حق غيره، بياكل من كفنه قبل ما يلبسه.
مشيت من غير ما ألتفت، سيبت ورايا البيت، واللحمة، والعيلة اللي طمعها كان هيغرقنا كلنا. ركبت العربية وأنا بلمس مكان الجرح اللي اختفى، بس بقالي أثر في قلبي.. عرفت وقتها إن فيه حاجات في الدنيا نذر ما ينفعش حد يلمسها، وإن فيه أسرار البيوت لما بتطلع للعلن، مش بتخرب البيوت بس.. دي بتمحي أصحابها من الوجود.
وصلت بيت أهل رانيا مع أول ضوء للفجر،