انا اقدر انظف واطبخ
أنا أقدر أنضّف وأطبخ وأعمل أي حاجة أختي الصغيرة بس محتاجة لبن.
قالتها بنت عندها ٨ سنين، وهي شايلة أختها الرضيعة الجعانة في مدخل شركتي.
ماجادلتهاش، وماطلبتش من الأمن يطلّعها.
مسكت ورقة وكتبت فيها جملة واحدة، وبعدين بصيت لها وقلت
خلاص إنتِ اتعيّنتي.
لكن أول ما ورقة صغيرة مكتوبة بألوان شمع وقعت من شنطتها، فهمت إن الحكاية أكبر بكتير من مجرد بنتين جعانين دخلوا شركتي بالصدفة.
الصبح اللي دخلت فيه البنت مبنى شركتي وهي شايلة أختها الصغيرة، كنت أنا مشغول أكتر باجتماع صفقة قيمتها ٢٨٠ مليون جنيه من أي حاجة ممكن تحصل في الاستقبال.
اسمي أحمد المنشاوي، عندي ٤٩ سنة، وبقود شركة استثمار كبيرة في التجمع الخامس بالقاهرة.
كانت الساعة ٧٤٦ الصبح في يوم تلات.
المطر كان نازل من بدري، والدنيا على الدائري كانت واقفة، وأنا أصلًا كنت متأخر وعندي تلات مكالمات فائتة قبل ما أدخل من باب الشركة.
لكن أول ما دخلت شوفتها.
بنت صغيرة.
يمكن عندها ٨ سنين.
لابسة كوتشي مبلول، وشنطة مدرسة وردي أكبر من جسمها تقريبًا، وشايلة على صدرها طفلة رضيعة ملفوفة في بطانية خضرا.
ومفيش أي حد كبير معاهم.
كانت واقفة قدام الريسبشن، وباصّة على ورقة صغيرة متعلقة جنب الكافيتيريا مكتوب عليها
مطلوب عاملة نظافة.
البنت كانت بتقرا الإعلان بتركيز شديد.
الريسبشنست، سمر، قربت منها وقالت بلطف
يا حبيبتي، الشغل ده للكبار.
البنت نزلت عينيها على الرضيعة اللي في حضنها.
وبعدين قالت بمنتهى الجدية
أنا بعرف أكنس وأغسل المواعين وأعمل بيض.
سمر اتوترت ومابقاش عارفة ترد.
لكن البنت كملت
ومش عايزة مرتب كبير.
عدّلت أختها على دراعها وقالت
أختي الصغيرة بس محتاجة لبن.
فجأة المكان كله سكت.
واحد كان داخل الشركة وقف مكانه.
ست كانت ماشية ناحية الأسانسير بطّلت تمشي.
وأنا نفسي فضلت واقف ببص لها.
الطفلة اللي في حضنها بدأت تزن.
البنت فتحت شنطتها بسرعة وطلعت ببرونة فيها شوية لبن.
يمكن أقل من ٣٠ ملي.
حطت نقطة صغيرة على معصمها تتأكد إنها مش سخنة، وبعدين بدأت تديها للبيبي واحدة واحدة.
عملت الحركة دي بطريقة غريبة
طريقة حد متعود عليها.
حد مش المفروض أصلًا يكون عنده ٨ سنين ويعرف يعملها.
قربت منها وسألتها
اسمك إيه؟
ملك.
ودي؟
نور.
نور عندها كام شهر؟
١١ شهر.
بصيت حواليها.
فين مامتك؟
وشها اتغير.
ماعيطتش.
ماخافتش.
بس رجعت خطوة لورا.
إحنا ملناش ماما.
حسيت بحاجة تقيلة نزلت على صدري.
نزلت لمستواها وقعدت على ركبة واحدة قدامها.
طب آخر مرة نور أكلت إمتى؟
قالت
امبارح بالليل.
وبعدين سكتت.
ففهمت إني سألت السؤال الغلط.
قلت لها
وإنتِ؟
رفعت عينيها لي لحظة، وبعدين بصت في الأرض.
امبارح في المدرسة.
ساعتها ماعرفتش أقول إيه.
رئيس الأمن قرب مني وقال بصوت واطي
يا فندم، أطلب الشرطة؟ واضح إن البنتين متسابين.
رفعت إيدي له.
استنى.
رجعت بصيت للبنت.
وبعدين بصيت للإعلان اللي على الحيطة.
وقلت لها
إنتِ كنتِ عايزة تشتغلي؟
هزت راسها.
أيوه.
خلاص إنتِ اتعيّنتي.
سمر فتحت بوقها من الصدمة.
أنا أخدت البنتين على أوضة اجتماعات صغيرة.
وفي خلال دقائق طلبت لبن أطفال، حفاضات، هدوم ناشفة، وأكل.
بعد حوالي ربع ساعة دخلت عليّ مها الشامي، المستشارة القانونية للشركة.
أول ما شافت البنت، بصت لي باستغراب.
أحمد إنت أكيد عارف إن مينفعش تعيّن طفلة عندها ٨ سنين؟
بصيت لها.
عارف.
خدت ورقة عليها لوجو الشركة وكتبت فيها
الوظيفة الأخت الكبيرة.
المهام
تقعد.
تاكل الأول.
تروح المدرسة.
تخلي الكبار يعملوا شغل الكبار.
تتأكد إن نور واخدة كل اللي محتاجاه.
المرتب الفطار والغدا والعشا وكل حاجة نور محتاجاها النهارده.
زحلقت الورقة ناحيتها.
ملك قرأتها مرتين.
وبعدين قالت
ده مش شغل بجد.
ابتسمت لأول مرة.
ده الشغل الوحيد المتاح دلوقتي.
فضلت باصة للورقة كأنها بتحاول تفهم.
وبعدين طبقتها بعناية وحطتها في شنطتها.
لكن وهي بتحطها
وقعت ورقة تانية من الشنطة.
ورقة صغيرة من كراسة مدرسة، متنية كذا مرة.
مها انحنت ورفعتها.
كانت مكتوبة بألوان شمع بنفسجي.
وكان مكتوب فيها
أدي نور اللبن.
أغير الحفاضة.
أعد الفلوس.
ماأعملش دوشة.
أغسل المواعين.
ماأصحّيش فيرونكا.
ماأخليش نور تعيط.
وآخر جملة كانت متعلم عليها ٣ مرات
ماتخليش نور تعيط.
مها بصت لي.
وبعدين بصت للبنت.
مين فيرونكا دي؟
ملك سكتت.
ضغطت على شفايفها.
وفي الأول رفضت تتكلم.
لكن بعد حوالي ساعة من الكلام الهادي، عرفنا الحقيقة.
أمها، هبة، = من حوالي سنة في حادثة عربية.
بعد ، خالتها من ناحية الأم، فيروز، قالت إنها هتتكفل بالبنتين.
لكن في مشكلة
فيروز ماكانش معاها أي وصاية قانونية على الأطفال.
وعشان محدش يسأل، كانت بتستخدم ورق هبة.
تمضي بدلها على ورق المدرسة.
وتستلم جوابات باسمها.
وأغلب الوقت
ماكنتش بتكون في البيت أصلًا.
بصيت لملك وقلت
هي سابتكم إمتى؟
ردت بصوت هادي
يوم السبت.
سألتها
يعني بقالكم تلات أيام لوحدكم؟
هزت راسها.
هي بتعمل كده ساعات.
قلبي اتقبض.
نور كانت خلصت اللبن تقريبًا.
ملك حكت لنا إن اللبن خلص الليلة اللي فاتت.
ففتحت برطمان صغير فوق التلاجة كانت هبة حاطة فيه فلوس للطوارئ.
ملك عدّت الفلوس واحدة واحدة.
كان معاها ٧٣ جنيه.
ماكفوش لعلبة اللبن.
فالصبح، لبست شنطتها، شالت أختها، ونزلت تمشي بيها.
مشيت حوالي ٣ كيلو في المطر.
وكانت بتدور على أي مكان ممكن حد يشغلها فيه.
مش عشان تشتري لعبة.
ولا عشان تجيب أكل لنفسها.
عشان تشتري لبن لأختها.
طلبت من الممرضة اللي بتتابع موظفين الشركة تيجي تكشف على نور.
بعد الفحص، قالت إن نور عندها جفاف ونقص في الوزن، ولازم تتكشف عند دكتور أطفال فورًا.
مها أخدتني على جنب وقالت
لازم نبلغ حماية الطفل والجهات المختصة فورًا.
ملك سمعت الجملة.
وشها اصفر.
لأ.
حضنت نور بقوة.
فيروز قالت لو حد عرف، هيبعدونا عن بعض.
مها قربت منها وقالت
يا ملك، إحنا مش عايزين نأذيكم.
البنت هزت راسها بسرعة.
هي قالت إنهم بياخدوا الأطفال.
سكتت لحظة.
وبعدين قالت
قالت إن البيبي بيتاخد عند ناس والطفل الكبير