كنا اربعة
في نفس اليوم بالليل، كنت نازلة أشتري شوية طلبات للبيت. وأنا طالعة من السوبرماركت، سمعت صوت نادى عليا: * “ندى…”التفتت… وما عرفتوش من أول وهلة. كان أحمد. خسّ النص، ظهره منحني، ولابس هدوم عادية جداً ومش متناسقة… نفس الشخص اللي كان بيتباهى بقشرة الجمبري وشياكته قدام أهله!وقف قدامي على مسافة مترين، وعينيه مليانة انكسار وندم ما شفتوش في حياتي.
قال بنبرة مبحوحة: * “إزيك يا ندى؟”رديت عليه ببرود، وأنا حاطة إيدي في جيوب معطفي وباصة له بثبات: * “الحمد لله يا أحمد. .. خير؟”قرب خطوة وقالي بصوت بيترعش: * “أنا خسرت كل حاجة يا ندى… خسرت أملاكي، وشغلي، وكرامتي. سارة سابتني وأمي مريضة… أنا عرفت قيمتك متأخر أوي. أنا كنت أعمى… مش طالب منك ترجعيلي، بس سامحيني. أنا كل يوم باكل لوحدي وبتفكر الدفا اللي كان في بيتنا، وأقول أنا اللي خربته بإيدي.”ابتسمت ابتسامة خفيفة جداً… ابتسامة شفقة، مش كره ولا غضب.
قُلتله بنبرة هادية كأنها نسمة هوى: * “المسامحة دي حاجة بينك وبين ربنا يا أحمد. بس الفرق بيني وبينك، إن أنا لما كنت بضحي وبخدم، كنت بقلب أبيض وبأصول… أنت اللي اخترت تبيع الأصول عشان رخص المتعة الزائفة. الأكل اللي كنت بتفصصه لغيري، كان هو النعمة اللي زالت من إيدك.”لفيت وشي وأديته ضهري، ومشيت خطوات للقدام. سمعت صوته بينادي من ورايا بقلة حيلة: * “ندى…
هتعرفي تحبي تاني؟”وقفت ثانية واحدة، من غير ما ألتفت، وقُلتله: * “أنا حبّيت نفسي يا أحمد… وده أحسن حب عرفته في حياتي.”ركبت عربيتي، ودست بنزين، وأنا شايفة في مراية العربية صورته وهو بيصغر وبيبعد… لحد ما اختفى تماماً من المشهد، وزي ما اختفى من المراية، اختفى للأبد من حياتي.