بعد 20سنة

لمحة نيوز

كريم بيسأل لو ينفع بكرة يتأخر ساعتين. قال بعد ما يوصل الحاج محمود ومدام ليلى، هيعدي على الحفلة ياخد مراته.
فضلت باصة للشاشة ثواني. كريم. جوز ناهد. نفس كريم اللي كانت من شوية بتتكلم عنه باعتباره رجل أعمال كبير، ومليونير، وصاحب علاقات وصفقات بالملايين. بس الحقيقة؟ كريم كان شغال سواق لأبويا وأمي بقاله 12 سنة.
رفعت عيني ناحية ناهد. كانت لسه قاعدة وسط الناس، بتتكلم بثقة، وبتحكي لهم عن نفوذ جوزها وعلاقاته برجال الأعمال. ابتسمت لنفسي؛ هي كانت فاكرة إنها بتتباهى بجوزها وما تعرفش إن الراجل اللي بتتكلم عنه أصلًا بيشتغل عند عيلتي.
لكن اللي ما كنتش متوقعاه إن كريم هيوصل قبل ما الحفلة تخلص. وفعلًا بعد دقايق، باب القاعة اتفتح. دخل كريم، لف بعينه على المكان، وفجأة عينه وقعت عليّا. اتسمر مكانه، وبصوت عالي، قدام القاعة كلها، قال يا مدام سلمى! حضرتك هنا؟!
الصوت قطع الكلام كله. الناس سكتت. ناهد بصت لكريم وبعدين بصتلي، ووشها بدأ يتغير واحدة واحدة. أما أنا، ففضلت قاعدة مكاني بهدوء، لأن ناهد لسه ما كانتش تعرف إن اللي هيحصل بعد اللحظة دي هيكشف قدام كل أصحابها مين فعلًا كان رجل الأعمال في الحكاية.
كريم وقف مكانه أول ما شافني، وبعدين قرب خطوتين وقال باحترام واضح قدام الناس كلها يا مدام سلمى! حضرتك هنا؟ والله لو كنت أعرف إنك موجودة، كنت جيت أسلّم على حضرتك من بدري.
القاعة كلها سكتت. أما ناهد، ففضلت باصة له كأنها مستنية منه يضحك ويقول إنه بيهزر، قالت وهي بتضحك بتوتر كريم إنت تعرف سلمى؟ بصلها باستغراب طبعًا أعرفها. وبعدين رجع بصلي وقال دي مدام سلمى الشاذلي بنفسها.
وش ناهد اتجمّد. واحد من زمايلنا سأل الشاذلي؟! تقصد مجموعة الشاذلي؟ كريم هز راسه أيوه.
الهمس بدأ ينتشر في القاعة. ناهد بصتلي، وبعدين لكريم، وبصوت منخفض قالت إنت بتشتغل معاها؟ كريم رد بمنتهى العادية أنا شغال مع والدها ووالدتها من زمان.
الصمت كان سيد المكان، وكل العيون تحولت من ناهد إلى كريم الواقف باحترام أمام سلمى، ثم إليها.
بدأت ناهد تستوعب الكارثة تدريجياً، ووجهها تحول من الغرور إلى شحوب تام وهي تلملم الكلمات بصعوبة بالغة. حاولت أن تبتسم ابتسامة باهتة مرجفة وقالت بصوت بالكاد يُسمع إيه الهزار الثقيل ده يا كريم؟! إنت إزاي تكلمها بالطريقة دي؟ مش دي البنت اللي اللي لسه قايلك عليها؟
كريم التفت إليها ونظراته تخلو من أي تردد، بل كان يملؤها الحرج والقلق من غضب مدام سلمى، فرد بحزم اخرسي يا ناهد! إنتي مش عارفة إنتي بتكلمي مين دي هانم وبنت الناس اللي خيرهم على بيتنا كله، دي مدام سلمى، صاحبة المجموعة اللي أنا شغال عندهم!
ارتفع صوت الهمسات في القاعة بشكل جنوني، وكل زملاء الأمس الذين كانوا يجاملون ناهد وينظرون لسلمى باستعلاء، تراجعوا للخلف في ذهول وصدمة. أما مي، صاحبة سلمى المقربة، فابتسمت بانتصار وهي تتابع المشهد المثير.
وقفت سلمى بكل هدوء وثبات، وعدلت أكمام فستانها البسيط، ونظرت إلى ناهد التي انكمشت في مكانها من شدة الخزي والإحراج أمام الجميع، وقالت بصوت هادئ وواثق قطع صمت القاعة متشكرة يا كريم على ذوقك وشكل فعلاً جوزك يا ناهد كان صادق لما قال إنه يعرف ناس تقيلة أوي في البيزنس، بس الظاهر إنه نسي يوضحلك مين فيهم اللي بيشتغل عند التاني!
استدارت سلمى بهدوء تام، وأشارت لمي لترافقها، وخطت نحو الخارج مرفوعة الرأس، تاركةً ناهد غارقة في صدمتها وكسرة غرورها أمام الجميع، ليكون هذا الدرس قاسياً بما يكفي لتتعلم أن قيمة الإنسان الحقيقية أبداً لا تُقاس بالمظهر أو المظاهر الكاذبة.

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *