قبل عملية المخ
ليه خليتيهم يفتكروا إنك ماتّي؟
قالت
عشان كنت مصاپة.
مين ساعدك؟
شخص واحد.
مين؟
سكتت.
الدكتور اللي كان في المستشفى.
الدكتور؟
أيوه.
هو اللي أخفاكي؟
هو وأخويا.
ياسر؟
أيوه.
طب ليه؟
لأن الناس اللي كانوا بيطاردوني كانوا بيدوروا على چثتي.
وليه؟
لأنهم كانوا خايفين إني أتكلم.
طب ليه رجعتي دلوقتي؟
نجلاء بصتلي.
عشان ليلى.
هي معايا.
ابتسمت.
عارفة.
وإنتِ عايزاها؟
أيوه.
هتخديها؟
هزت راسها.
لو هي عايزة.
سكت.
ليه؟
لأنها عاشت تسع سنين وهي فاكرة إن أمها ماټت.
مش هينفع أغير حياتها فجأة.
عارفة.
يبقى؟
أنا مش جاية أخدها منك.
بصيت لها.
أمال؟
قالت
جاية أطلب منك تساعديني أبني علاقة معاها.
دموعي نزلت.
هساعدك.
لما رجعت البيت
لقيت ليلى مستنياني.
جريت عليا.
ماما مريم!
حضنتني.
قالت
روحتي فين؟
قابلت حد مهم.
مين؟
بصيت لها.
حد كان مستني يشوفك من تسع سنين.
وشها اتغير.
مين؟
قلت
مامتك.
سكتت.
ما ردتش.
وبعدين قالت
هي عايشة؟
هزيت راسي.
دموعها نزلت.
أقدر أشوفها؟
أيوه.
حضنتني.
وقالت
متسيبينيش.
قلت
عمري ما هسيبك.
بعد أيام
تم اللقاء.
ليلى دخلت المكان.
نجلاء كانت واقفة.
ماحدش اتحرك.
ليلى بصت لها.
نجلاء قالت
ليلى؟
الطفلة بدأت تبكي.
ماما؟
نجلاء اڼهارت.
حضنتها.
وأنا وقفت بعيد.
أختي جنبي.
سمر كانت بټعيط.
حسام واقف في الناحية التانية.
المشهد كان مؤلم.
لكنه كان جميل.
لأن بعد تسع سنين
أم حضنت بنتها.
أما أنا وحسام
كان لازم نقفل آخر باب.
قابلته بعد فترة.
قلت
هطلقك.
قال
عارف.
مش هسامحك بسهولة.
عارف.
يمكن ما أسامحكش أصلًا.
حقك.
بس أنا
مش عايزة أعيش طول عمري وأنا شايلة ڠضب.
سكت.
أنا مش هرجعلك.
هز راسه.
عارف.
ومش هكرهك.
شكرًا.
بس مش هحبك تاني.
دموعه نزلت.
عارف.
طلعت ورقة.
المرة دي أنا اللي جايباها.
بص لها.
إيه؟
ورقة الطلاق.
ابتسم بحزن.
دي النهاية؟
قلت
لأ.
أمال؟
دي بداية حياتي.
وقع.
وأنا وقعت.
ولأول مرة
ماكانش فيه خوف.
أبويا كمان وقف قدامي.
قال
سامحيني.
قلت
مش دلوقتي.
هتسامحيني؟
يمكن يوم.
وإمتى؟
لما أصدق إنك فهمت غلطتك.
سكت.
أنا غلطت.
لأ.
بصلي.
إنت خفت.
سكت.
والخۏف خلاك تعمل حاجات أسوأ من الچريمة نفسها.
دموعه نزلت.
عندك حق.
حضنته.
مش عشان نسيت.
عشان ماخليش أخطاءه تسرق مني أبوي للأبد.
بعد سنة
كنت قاعدة في البلكونة.
ليلى كانت بتذاكر.
نجلاء كانت بتكلمها في التليفون.
سمر بقت تزورنا من وقت للتاني.
علاقتها بيا اتحسنت، لكن مش زي الأول.
حسام بدأ حياة جديدة بعيد عني.
وأنا
بدأت حياة جديدة بالكامل.
رجعت شغلي.
بدأت مشروع صغير باسمي.
واشتريت بيت جديد.
بيت مافيش فيه أسرار.
ولا أقفال مخفية.
ولا أدراج مليانة أوراق.
ولا حد بيخبي حاجة.
وفي يوم
ليلى دخلت عليا.
قالت
ماما مريم.
نعم؟
عايزة أسألك سؤال.
اسألي.
إنتِ ندمانة إن بابا حسام دخل حياتك؟
فكرت شوية.
لأ.
ليه؟
عشان لو ما دخلش حياتي، ماكنتش هتعرفك.
ابتسمت.
يعني أنا الحاجة الحلوة؟
حضنتها.
إنتِ أحلى حاجة خرجت من كل اللي حصل.
ضحكت.
حتى لو أنا مش بنتك؟
مسكت وشها بين إيديا.
الأم مش بس اللي بتولد.
أمال؟
اللي بتحب، وتحمي، وتفضل موجودة.
حضنتني.
بحبك.
وأنا بحبك.
بعدها بكام شهر
جالي ظرف.
من نجلاء.
فتحت الظرف.
جواه رسالة.
مريم، أنا عارفة إنك لسه بتفكري في اليوم اللي حسام حط قدامك ورقة الطلاق قبل العملية. وعايزة أقولك حاجة.
كملت.
لو ماكانش حصل اليوم ده، يمكن الأسرار كلها كانت هتفضل مدفونة. أحيانًا ربنا بيخرج الحقيقة من أسوأ لحظة في حياتنا.
دموعي نزلت.
إنتِ أنقذتي بنتي، رغم إنك كنتِ أكثر واحدة اتظلمت بسببها. وده عمره ما هيتنسى.
قفلت الرسالة.
بصيت لليلى.
كانت بتضحك.
مرت أيام.
وفي ليلة هادية، رن موبايلي.
حسام.
ترددت.
وبعدين رديت.
ألو؟
صوته كان هادي.
مريم.
أيوه.
أنا بس كنت عايز أقولك حاجة.
قول.
أنا أخيرًا فهمت ليه إنتِ مضيتي الورقة من غير ما ټعيطي.
سكت.
ليه؟
قال
لأنك من اللحظة دي كنتِ خلصتي مني.
ابتسمت.
يمكن.
أنا آسف.
عارف.
ومش طالب حاجة.
كويس.
بس كنت عايزك تعرفي إن ليلى بخير.
عارفة.
ونجلاء بخير.
عارفة.
وإنتِ؟
بصيت حواليّا.
البيت.
ليلى.
صور جديدة.
حياة جديدة.
قلت
أنا بخير.
قال
الحمد لله.
وقفل.
ماحسيتش بحاجة.
لا ڠضب.
ولا حب.
ولا كره.
بس سلام.
والسلام أحيانًا بيكون أغلى من الحب نفسه.
بعد مرور ثلاث سنين على العملية
رجعت للمستشفى اللي دخلتها وأنا فاكرة إن حياتي بتنتهي.
وقفت قدام نفس الباب.
نفس الممر.
نفس الريحة.
لكن أنا كنت شخص تاني.
الدكتور شافني.
مدام مريم؟
ابتسمت.
أيوه.
فاكراني؟
ضحكت.
طبعًا.
أخبارك؟
ممتازة.
والعملية؟
أحسن قرار حصل في حياتي.
ضحك.
العملية ولا الطلاق؟
ضحكت.
الاتنين.
وأنا خارجة من المستشفى
وقفت دقيقة.
افتكرت نفسي على السرير.
افتكرت حسام.
افتكرت الورقة.
افتكرت سمر.
افتكرت كلمة بنتي.
افتكرت الملف.
والسر.
والخۏف.
والدموع.
وبعدين افتكرت ليلى.
ابتسمت.
وعرفت إن كل حاجة حصلت لسبب.
مش معنى كده إن الخېانة كانت صح.
ولا الكذب.
ولا الۏجع.
لكن أحيانًا
أقسى باب بيتقفل في وشك
بيبقى وراه طريق كامل لسه ماشفتهوش.
رجعت البيت.
لقيت ليلى قاعدة في الصالة.
قالت
ماما مريم!
نعم؟
عندي مفاجأة.
إيه؟
جريت ناحية المطبخ.
رجعت ماسكة كيك صغيرة.
عليها شمعة.
النهارده ذكرى يوم العملية.
بصيت لها.
ضحكت.
وإنتِ فاكرة؟
أكيد.
ليه؟
عشان اليوم ده غير حياتنا.
دموعي نزلت.
نفخت الشمعة.
ليلى قالت
اتمني.
غمضت عيني.
ولأول مرة من سنين
ماطلبتش فلوس.
ولا صحة.
ولا حب.
ولا اڼتقام.
طلبت حاجة واحدة
إن كل شخص ظلمته الحياة يلاقي يوم واحد على الأقل يحس فيه بالأمان.
فتحت عيني.
ليلى حضنتني.
وفي اللحظة دي
رن جرس الباب.
قامت تفتح.
رجعت بعد ثواني.
ماما؟
نعم؟
فيه حد بره عايزك.
مين؟
قالت
سمر.
بصيت لها.
وبعدين قمت.
سمر كانت واقفة عند الباب.
في إيدها ظرف.
وشها هادي.
قالت
ممكن أدخل؟
هزيت راسي.
اتفضلي.
دخلت.
حطت الظرف قدامي.
ده ليكي.
إيه؟
آخر حاجة كانت عندي من
أيام الحكاية.
فتحته.
كان فيه صورة.
أنا وسمر.
أيام المدرسة.
كنا صغيرين.
بنضحك.
بصيت للصورة طويل.
سمر قالت
فاكرة؟
فاكرة.
كنتِ أقرب واحدة ليا.
وإنتِ كنتِ أقرب واحدة ليا.
سكتنا.
وبعدين قالت
أنا عارفة إننا مش هنرجع زي الأول.
يمكن.
بس أنا ممتنة إنك ماكرهتينيش.
بصيت لها.
أنا ماكنتش عايزة أبقى نسخة من اللي أذوني.
دموعها نزلت.
ربنا يسعدك.
ويسعدك.
خرجت.
وأنا فضلت ماسكة الصورة.
في نفس الليلة
دخلت أوضتي.
فتحت درج صغير.
جواه كل الحاجات اللي حصلت.
صورة.
ورقة.
مفتاح.
وشريط.
وأخيرًا
ورقة الطلاق.
طلعتها.
بصيت لها.
الورقة اللي كانت في يوم من الأيام أكبر ۏجع في حياتي.
دلوقتي بقت مجرد ورقة.
حطيتها في صندوق.
وقفلته.
لكن قبل ما أقفل الصندوق، حطيت فوقها ورقة جديدة.
كتبت عليها
دي مش ورقة نهاية دي ورقة نجاة.
قفلت الصندوق.
ومشيت.
بعدها بسنة
ليلى دخلت المدرسة الثانوية.
نجلاء بقت قريبة منها.
عماد سافر وبدأ حياة جديدة بعد ما خلص كل إجراءاته.
أبويا بقى أهدى.
أمي بطلت تخاف من الحقيقة.
وحسام
اختفى من حياتي تقريبًا.
وأنا
بقيت مريم.
مش مرات حسام.
مش الست اللي اتخان عليها.
مش المړيضة اللي كانت داخلة عملية.
مش البنت اللي أبوها خبا عنها أسرار.
أنا مريم.
بس.
وده كان كفاية.
وفي يوم من الأيام، كنت قاعدة مع ليلى.
قالتلي
ماما؟
نعم؟
هو الإنسان ممكن يبدأ من جديد بعد ما يخسر كل حاجة؟
بصيت لها.
آه.
إزاي؟
لما يعرف إن اللي خسره ماكانش حياته كلها.
يعني إيه؟
يعني ساعات بنبكي على باب اتقفل، وننسى إن ربنا فتح لنا شبابيك كتير.
ابتسمت.
إنتِ اتعلمتي ده إمتى؟
ضحكت.
في غرفة المستشفى.
يوم العملية؟
أيوه.
مع إن بابا كان طلب منك الطلاق؟
أيوه.
ومضيتِ؟
أيوه.
وما ندمتيش؟
بصيت لها.
أبدًا.
بعد كل السنين دي، لما حد بيسألني
إزاي قدرتي تسامحي؟
بقول
أنا ما سامحتش عشان الناس تستاهل.
سامحت عشان أنا استاهل أعيش من غير ما أحمل كل ده جوايا.
سامحت أبويا.
سامحت سمر.
سامحت حسام بمعنى إني سبت حسابه لربنا والقانون.
لكن عمري ما نسيت.
لأن النسيان ساعات بيخلينا نقع في نفس الحفرة.
أما الذاكرة
فبتعلمنا نختار الطريق الصح.
وفي آخر مرة قابلت حسام
كان بالصدفة.
كنت خارجة من مكان عام.
لقيته واقف بعيد.
بصلي.
وبعدين ابتسم.
أنا ابتسمت.
قال
إزيك؟
قلت
كويسة.
ليلى عاملة إيه؟
كويسة.
نجلاء؟
كويسة.
سكت.
وبعدين قال
إنتِ سعيدة؟
بصيت للسما.
وبعدين له.
أيوه.
قال
الحمد لله.
مشي.
وأنا كملت طريقي.
من غير ما أبص ورايا.
لأن اللي بيبص وراه طول الوقت
ممكن يفوّت الطريق اللي قدامه.
وفي يوم هادي، بعد سنين من كل اللي حصل
كنت قاعدة قدام البحر.
ليلى جنبي.
نجلاء كانت معاها.
الشمس كانت بتغرب.
ليلى قالت
ماما مريم؟
نعم؟
لو رجع بيكي الزمن لليوم اللي حسام حط فيه ورقة الطلاق قدامك هتعملي إيه؟
ضحكت.
وبصيت للبحر.
قلت
همضي.
من غير ما تسأليه؟
همضي.
ليه؟
بصيت لها.
عشان لو ما مضيتش، كنت هفضل عايشة في حياة مش بتاعتي.
وإيه اللي حصل بعد كده؟
عرفت الحقيقة.
وخسړتي ناس.
أيوه.
وكسبتي ناس.
أيوه.
وكسبتي نفسك.
سكت.
وبعدين ابتسمت.
دي أهم حاجة.
ليلى حطت رأسها على كتفي.
وأنا بصيت للأفق.
افتكرت كل حاجة.
العملية.
الطلاق.
الخېانة.
سمر.
حسام.
الطفلة.
الملف.
أبويا.
نجلاء.
والحقيقة اللي اتدفنت تسع سنين.
وافتكرت أول جملة قالها حسام يومها
لو العملية ماعدتش على خير، مش عايز أفضل مربوط بيكي.
وقتها كنت فاكرة إن الجملة دي معناها إن حياتي انتهت.
لكن دلوقتي فهمت معناها الحقيقي.
هو كان خاېف يبقى مربوط بيا
وأنا كنت محتاجة أفك نفسي من كل حاجة كانت بتشدني لورا.
من خوف.
ومن شك.
ومن كڈب.
ومن ناس حطوا مصالحهم فوق قلبي.
ومن صورة قديمة كنت مصرة أعيش جواها.
العملية عدت.
أنا عشت.
والطلاق حصل.
والحقيقة ظهرت.
والطفلة لقت أمها.
وأنا لقيت نفسي.
وعرفت أخيرًا إن أحيانًا
النجاة مش إن الناس اللي ظلموك يخسروا.
النجاة الحقيقية
إنك تبصي لنفسك بعد كل اللي حصل
وتلاقيها لسه واقفة.
لسه بتضحك.
لسه بتحب.
ولسه عندها قدرة تبدأ من جديد.
أنا مريم عبد الرحمن.
الست اللي دخلت عملية مخ وهي فاكرة إنها ممكن ماتخرجش.
خرجت منها
لكن مش بنفس مريم.
خرجت وأنا عارفة إن العمر مش بيتقاس بعدد السنين اللي عشناها
العمر
بيتقاس بعدد المرات اللي وقعنا فيها
وقمنا.
وأنا وقعت.
وقعت جامد.
لكن قمت.
ولأول مرة في حياتي
ماكانش عندي