القهوه

قاعدين على القهوة في أمان الله وإذ فجأةً نسمع صوت جاي من ميكروفون الجامع, الغريبة انه مكانش الآذان اللي مبقناش بنستجيب له, ده كان صوت استغاثة غريب وأول مرة نسمعه في حياتنا

“كل أهل البلد يخرجوا على المحطة حالا عشان فيه قطر مقلوب, اطلعوا ساعدوا اخواتكم”

وقتها تقريبا اتشقلب حال البلد والكل خرج يجري ناحية أول البلد عند شريط السكة الحديد, وصلنا بعد عشر دقايق تقريبا وكان المشهد المتوقع, هرج ومرج وناس بتبكي واللي بتصرخ واللي من الخضة واقع في الأرض, مشهد صعب خلاني أطلب من ربنا الستر, بعدها كل حاجة عدت بسرعة غريبة, رجالة البلد اتحولوا لشعلة نشاط وخدوا المصابين على المستشفى, وكل الستات خرجوا من القطر على المساجد اللي اتفتحت, وبعض الشباب حاوطوا القطر منعا لأي محاولة سرقة متعلقات الركاب, الكل حرفيا كان بيجري عشان يساعد بأي حاجة, وواحدة واحدة بدأت تظهر معالم الحادثة, القطر كله سليم تقريبا, مفيش غير عربيتين بس اللي مقلوبين, أول واحدة منهم خرج ركابها بإصابات خفيفة, مفيش غير العربية الأخيرة اللي كانت للأسف في وضع صعب..

وقتها اللي قلبه ضعيف متقدمش لأن المتوقع اننا هنشوف مناظر صعبة, دم سايل وناس ربما يكونوا أموات كمان, وللأسف اللي توقعناه لقيناه, الناس كسروا شبابيك القطر وبدأوا يفتحوا مجال للركاب ينزلوا, بس الكل كان متدمر, اللي راسه مجروحة جرح كبير, واللي رجله اتكسرت, واللي كتفه اتخلع, واللي للأسف غرقان في دمه ويادوب بيتنفس, الكل بلا استثناء كان نازل بيترعش, وشه اصفر وعنيه فيها فزع الكون, فزع شخص شاف الموت وبقا أقرب له من الحياة, الكل بيتنفض وبيترعش, إلا هو, إلا الراجل ده..

اتسند علينا ونزل وهو ماسك راسه المجروحة وعلى وجهه طمأنينة غريبة, وكأنه صاحي من النوم مش طالع من حادثة قطار, لدرجة ان الناس قربوا منه عشان يساعدوه بس بعدهم عنه بهدوء وهو مبتسم ابتسامة غريبة, خلع قميصه ومسح بيه الدم وطلب من الناس يساعدوا الباقيين ويسيبوه هو, فضلت متابعه بعنيا وانا متعجب من الشخص اللي طالع من قلب الموت بالبساطة دي, من قلب الحديد والنار والقضبان وكأنه طالع من تحت مية دافية على الجسم..

مشيت وراه وجبت قطن وشاش وأصريت اني اغيرله على الجرح, وهو في النهاية ابتسم وسلم للأمر تماما, بس وانا بغير الجرح كنت عمال ابصله بارتياب شديد, الراجل هادي ومسلم ولا كأن راسه بتنزل دم وطالع من حادثة, الراجل هادي بطريقة مبالغ فيها, حتى هو لاحظ نظراتي المرتابة فابتسم اكتر وقال:

– عايز تقول ايه

– يعني بصراحة ال

“الله أكبر الله أكبر”

وقفت كلامي لما اتنفض أول ما سمع صوت الآذان, واتكلم في استعجال وقال:

– يالا بسرعة الآذان بيأذن

– طيب احكيلي وفهمني

بصلي بذهول شديد وقال:

– ونضيع خمس دقايق من وقت انتظار الصلاة, انت واعي للي بتقوله

كلامه خلاني أخجل من نفسي عشان يكمل:

– عايز تكمل كلام يبقا بعد الصلاة, هتيجي ولا ايه

وبدأت أتحرك في تثاقل ناحية المسجد عشان نصلي العصر, وعشان اكتشف سر من أسرار الحياة مكنتش أعرف عنه أي حاجة في حياتي للأسف, سر اسمه “…….”

بقلم: أحمد محمود شرقاوي

……………….

بعد صلاة العصر قعدنا في ركن من أركان المسجد وبعد ما اطمئنيت عليه وعرفت ان اسمه عم صلاح طلبت منه يفهمني ليه متأثرش بالحادثة وكان هادي بالطريقة دي رغم ان الواحد قلبه بيتخطف لو بس العربية اتحركت بسرعة فجأة, وبعد صمت طويل اتكلم وقال:

– تفتكر بعد ما تدفن صاحي ممكن تخاف من حاجة تاني

بصتله باستغراب وقلت:

– يا ستار يا رب, طيب فهمني

خد نفس عميق وقتها وبدأ يتكلم..

لسة فاكر يابني أمي لما لازمت فراش الموت قبل موتها بتلت شهور, كانت مريضة بأمراض الدنيا وقتها ومفيش دكتور عارف يدينا حل لحالتها, والكل كان متوقع انها هتتألم أوي في مرضها قبل الموت, وعلى مدار تلت شهور بدأت أمي تردد جملة واحدة

“الصلاة يابني, يابني مفيش عاقل يسيب الصلاة, الصلاة يابني أمان وقت الخوف ونجاة وقت الموت والحساب”

عايز اقولك ان أمي كانت بتردد الكلام ده عليا في اليوم اكتر من خمسين مرة, لدرجة انها كانت مسافة ما تشوفني تسألني عن الصلاة, تسألني عن أخر صلاة وهل انا صليتها ولا لا, لدرجة اني بدأت أتخنق من كلامها المتكرر, بس هي فضلت على حالها

“الصلاة أمان وقت الخوف, ونجاة وقت الموت والحساب”

وكانت وقت الصلاة مستعدة تزحف ناحية الحمام عشان تتوضى وتصلي, كأنها لو مصلتش هتتحرق بالنار, كان عندها شيء مقدس اسمه الصلاة مينفعش بأي حال من الأحوال انها تتأخر دقيقة..

لحد ما جت الليلة الموعودة وصلت الفجر وغمضت عنيها مفتحتهاش تاني, ماتت أمي بدون أي ذرة ألم رغم كل كلام الأطباء, ماتت واتدفنت وحزنت عليها كتير, بس أيامها كنت عايش الدنيا بالطول والعرض, بشرب مخدرات وبتخانق وسيء الخُلق, انسان الكل كان بيتحاشاه أصلا..

لحد ما في ليلة روحت اشتري حشيش من منطقة في بلدنا اسمها “الخرابة” والمكان ده كان قبل المقابر المهجورة بعد شريط القطر بمسافة, منطقة مهجورة ومناسبة جدا لكل بياعين المخدرات بعيد عن عين الحكومة, وطلعت على هناك بعد نص الليل وكانت أول مرة ليا أروح اشتري بنفسي ومن منطقة خطر زي دي..

الخرابة كانت عبارة عن أرض واسعة مليانة زبالة, أكوام من الزبالة ملهاش نهاية, وفيها كام بيت مهدود, ولو عديت البيت المهدود هتلاقي اكتر من 50 مقبرة قديمة اتهجروا من زمان أوي وبقا المكان ملجئ لكل المتسولين وقطاع الطُرق..

مشيت على الوصفة لحد ما وصلت لاتنين واقفين جمب بيت مهدود واشتريت منهم بمبلغ كبير مخدرات عشان أكفي نفسي فترة لقدام بعد ما بيعت الانتريه بتاع البيت, وبعد ما اشتريت لقيت واحد منهم بينصحني أخرج من الطريق اللي ورا المقابر أحسن لأن الطريق اللي رجع منه فيه بلطجية ممكن ياخدوا مني المخدرات..

وطبعا مع الخوف والقلق استجبت لمطالبهم ومشيت ناحية المقابر القديمة, مكان نائي, مخيف, والظلام فيه ثقيل أوي, وحتى الصمت مالوش مثيل في أي مكان تاني, ووسط شرودي ومحاولة خروجي من المكان فوجئت باتنين ملثمين ومعاهم مطاوي بيسدوا عليا الطريق وبيمسكوني بقسوة, من شكلهم وطريقة كلامهم اتأكدت ان أي محاولة هرب هيقتلوني بدم بارد.. مفيش هنا حاجة اسمها رحمة أبدا..

بس انا كنت عنيد, مكنتش ناوي استسلم بسهولة, انا دافع مبلغ وقدره في الحاجات اللي معايا دي وأكيد مش هياخدوها بالساهل, وفي لحظة ضربت واحد منهم بضوافري في عنيه وجريت, بس التاني كان متحفز ومسك فيا بكل قوته ووقعنا انا وهو على الأرض, وفي لحظة لقيت المطواة غارزة في فخذي اليمين لحد نهايتها, وصرخت بأعلى صوت انا ممكن أصرخ بيه في حياتي, الألم كان بشع, لا يطاق, خدوا مني كل اللي معايا وكل اللي شوفته واحد منهم بيمسك حجر ضخم وبيضربني على راسي بعنف والدنيا كلها من حوليا بتتهز كأني جوة زلزال عنيف, وبعدها ظلام كامل, ظلام طويل كله ألم..

ظلام صحيت منه لظلام أكبر, ولما بدأت استوعب لقيت نفسي جوة مقبرة قديمة ومقفول عليا بابها الحديد, وانا مرمي في الأرض ورجلي مش حاسس بيها ومش قادر اطلاقا أقف عليها وامشي ولو خطوة واحدة, الريحة هنا كانت بشعة, والتفكير هيقولك ان المكان ده أكيد اتحطت فيه جثث تانية, خاصة لما ايدي لمست حاجات شبه العضم جمبي..

وقتها عرفت يعني ايه شعرك يشيب, يعني ايه الموت ياكلك حتة حتة بكل هدوء واستفزاز, الرعب نفسه كان كفيل يعيشك اسوأ كابوس في عمرك, والألم كان بينهش فيا, والتفكير كان بيدبحني, وقتها ووسط الهول ده افتكرتها, الجملة اللي كانت بتقولها أمي كتير

“الصلاة أمان وقت الخوف, ونجاة وقت الموت والحساب”

ولأول مرة أعرف أمي اد ايه كانت صادقة, انا لو هنا وفي المكان ده ومظلوم مكنتش هبقا في الحال ده, كنت على الأقل هكون مطمن ولو شوية, انما انا من رعب وعذاب رايح لنار, نارة الآخرة, انا اللي تقريبا مسجدتش مرة في عمري كله..

وقتها عرفت يعني ايه نور الصلاة, يعني ايه طمأنينة القلب, ويعني ايه النجاة في كام ركوع وسجود, الألم عمال يزيد والرعب بيكبر, أنفاسي بتضيق وقلبي هيقف من الفزع, خاصة لما بدأت أحس ان فيه ايادي بتتحسس جسمي جوة القبر, والهمسات اللي بدأت تصيح في ودني بكلمات مُفزعة, كلمات خلت جلدي ينكمش وقلبي يتنفض الف الف مرة..

لو قعدت أحكي يوم كامل مش هقدر أحكيلك كم الفزع اللي حسيت بيه, انا جمب جثث كتير, مدفون جوة قبر قديم, ومصاب اصابة خطيرة, وفي محاولة أخيرة وانا ببكي زي العيل الصغير بدأت أردد واقول “يا رب” “يا رب”

مكنتش قادر أصرخ, أقف واخبط على باب القبر, بس من جوايا كنت قادر أناجيه, وأمي كانت بتقولي انه هيسمع, وهو سامعني دلوقتي, فضلت أقول يارب لمدة 24 ساعة كاملين, اقولهم وانا عايش كابوس قاتل, كابوس اسوأ من أي كابوس ممكن تتخيله..

وزي الحلم الغريب الغير مفهوم سمعت وقتها صوت كلام وحركة برة القبر, وفضلت أبكي وانادي ببقايا صوت ان حد ينجدني, وفعلا جت النجدة, اتفتح الباب وخرجوني, واللي عملوها اتنين بتوع مخدرات, وخرجت أزحف بعد ما سابوني من المقابر, ولاد الحلال خدوني للمستشفى بعدها وخرجت بعد اسبوع متحطم, عندي اعاقة في رجلي وهزيل وشكلي عامل زي المجانين..

بس كانت فرصة معتقدش الكل بياخدها, فرصة للنجاة من جحيم الأخرة, ومن يومها الصلاة بقت زي القدر, مفيش أي مجال للتفكير اني أخرها أو معملهاش, وفضلت على الحال ده 15 سنة مسبتش صلاة واحدة في المسجد..

لحد ما صليت الفجر انهاردة وركبت القطر, وفي لحظة اتقلب القطر, وسمعت الصراخ, وضاقت علينا العربية زي القبر, وجمبي شوفت شاب بينزف وبيموت, ورجعلي نفس المشهد من عشرين سنة, كان القطر قبر جديد واتحبست فيه, بس محستش وقتها بذرة ألم أو خوف, مهو انتظاري اما نجاة, أو موت, ومفيش موتة أحسن من انك تكون مصلي قبلها الفجر حاضر, كمية أمان وقتها بيحاوطك كأنك ولي من أولياء الصالحين, مبتخافش من الموت, بل بتتمناه, عكس كل الناس اللي الرعب بيكون بينهش فيهم زي السرطان, انهاردة بس يابني بقيت على يقين بكلمة أمي

“الصلاة أمان وقت الخوف, ونجاة وقت الموت والحساب”

واسأل أي حد اتعرض للموت, هتلاقيه مرعوب لو مكنش بيصلي, وهتلاقيه لو منتظم في صلاته أكثرثباتا وطمأنينة, حتى اللي داخل العمليات, اللي بيصلي مبيخفش, متسبش الصلاة يابني لو بتنزف وبتموت, سبته في النهاية وانا مش قادر أسيطر على دموعي وفي بالي فكرة واحدة..

سبحان من خلى العِبرة لشخص زي ده في تجربة مرعبة وقاسية زي الدفن حي, وخلى العبرة ليا في مجرد قصة, من غير اختبار ولا أي دروس, ولسة معايا الفرصة, معايا انا وكل شخص هتوصله القصة دي, حافظ على صلاتك لأنك من غيرها خسران دنيا وأخرة, من غيرها خايف, قلقان, وفي النهاية هتكون من الخاسرين..

بقلم: أحمد محمود شرقاوي

……………….

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنَّ أوَّلَ ما افتَرضَ اللَّهُ على النَّاسِ من دينِهِمُ الصَّلاةُ، وآخرَ ما يبقى الصَّلاةُ، وأوَّلَ ما يحاسبُ بِهِ الصَّلاةُ، ويقولُ اللَّهُ انظُروا في صلاةِ عبدي. فإن كانت تامَّةً كُتِبت تامَّةً، وإن كانت ناقصةً يقولُ: انظُروا هل لعبدي تطوُّعٍ ؟ فإن وُجِدَ لَهُ تطوُّعٌ تمَّتِ الفريضةُ منَ التَّطوُّعِ، ثمَّ قالَ: انظُروا هل زَكاتُهُ تامَّةٌ ؟ فإن كانت تامَّةً كُتِبت تامَّةً، وإن كانت ناقِصةً قالَ: انظروا هل لَهُ صدقةٌ ؟ فإن كانت لَهُ صدقة تمَّت له زَكاتُهُ).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *