عامله
أنا بشتغل عاملة في مستشفى كبيرة أوي بس مش هينفع أقول اسمها، ومن حظي اللي زي الفُل اتعينت في قسم الحروق، وما أدراك ما قسم الحروق ! القسم اللي كلمة آآآه مبتقفش فيه لحظة واحدة، نموذج مُصغر لنار جهنم بالظبط، ومن حظي اللي قولتلكم انه زي الفُل كنت شغالة في عنبر الحالات الحرجة، يعني أي حد عنده حروق من الدرجة الثالثة وجسمه متشوه وشبه متفحم هتعرف ان انا اللي بشيله وانقله واعتني بيه على السرير بتاعه لحد ما يقابل رب كريم، اة مانا نسيت اقول ان أغلب حالات قسم الحالات الحرجة مش بيعيشوا إطلاقا، ونادرا لما حد بيتعافى ويقوم من الإصابة..
كل ده ربى جوايا هم وغم وضيق صدر كبير، وكل ما كنت بحاول أسيب الشغل مكنتش بقدر، ولقيت نفسي بتورط يوم بعد يوم في الشغلانة اللي تدمر النفسية دي، كل شكل حالة من الحالات المحروقة كان بيربي جوايا شيء من الدمار النفسي، اصوات آهاتهم بالليل بتفكرك انك واقف مع مالك خازن النار على بوابة جهنم، وللأسف كان لازم مُخدر، مُخدر قوي عشان يهون عليا الأيام الصعبة دي..
شربت سجاير وأدمنتها، لقيت فيها متنفس قوي أطلع فيه انفعالي وغضبي، بس مع الأيام كنت محتاجة مُخدر أقوى، مُخدر ينسيني حياتي كلها ومفكرش غير فيه، وللأسف المُخدر ده كان الجِنس، اتعرفت مع مرور الأيام على شاب من بتوع الأمن وكبرت بينا علاقة عاطفية، ومع الأيام اتحول الموضوع لعلاقة فجة كاملة مُتكاملة، كنا من قرارة نفسنا عارفين إن الموضوع مجرد مصلحة، أنا بهون عليه وردية بالليل، وهو بيهون عليا الشغل الصعب اللي انا بشتغله..
وكان يوم بعد يوم بيجبلي سجاير محشية بتخليني أسافر من الواقع اللي انا فيه، جنس ومخدرات وتدخين، ولو كنت لقيت حاجة تاني كنت هعملها بدون أي تردد، كنت اسمع صوت الأهات أقوم مولعة السيجارة وأقف عند شباك الأسانسير بعيد أشرب السيجارة واشغل أغاني قديمة تفصلني..
وفعلا المَوضوع جاب نتيجة، ونتيجة كبيرة كمان، لدرجة إن اعصابي بقت في تلاجة وبقيت بتجاهل الاهات والتعب وحتى استغاثات المرضى، ولما بتطلب معايا أكلم علي بتاع الأمن نطلع لوحدنا في غرفة قديمة في آخر المبنى نقضي وقت مع بعض، واستمر الموضوع يمكن ٦ شهور كاملين، أيوة كانت فيه مواقف غريبة وكنت بشوف أطياف واسمع أصوات مش من عالمنا أصلا، بس الحشيش بيخليك تتعامل عادي، والدنيا زي الفل..
لحد ما جالنا اتصال من الطوارئ ان فيه حالة حرجة جدا وحروق من الدرجة الثالثة وجاية علينا، التمريض كلمني استقبلها وادخلها على سرير، شربت السيجارة بسرعة وكنت قبلها بنص ساعة مع علي بتاع الأمن ولسة حتى مغسلتش نفسي..
وطلع الاسانسير بالحالة اللي كانت أغرب حالة شوفتها في حياتي، ست كبيرة اسمها الحاجة وفية، وشها أبيض ومورد بالأحمر وكأنه منور تماما، في حين ان جسمها حرفيا كان شبه متفحم، الست هدومها كانت مخلوطة بجلدها بسبب قوة الحرق، بس الغريب مكانش في كدا، حالة غيرها كان هيبقا صوت صريخها ووجعها واصل لآخر الدور، انما دي كانت مبتسمة وعمالة تردد بهدوء شديد:
“إنا لله وإنا إليه راجعون”
المشهد ولأول مرة يهزني بالطريقة دي، وكأنها ست جاية من عالم تاني، ده الجلد محروق ومعاه اللحم، انتي ازاي مش موجوعة، وصلنا بيها للسرير انا وعامل تاني والدكتور وممرضة، ومسافة ما مسكت الملاية عشان أرفعها مع العامل صرخت، صرخت وبصت ناحيتي بصة غضب رهيبة، وبكل صرامة وكأنها مش في حالة حرجة قالت:
“النجسة دي متحطش ايدها عليا”
انا اتنفضت من كلامها، وزادت رعشة جسمي لما بصت في عنيا وكأنها شايفة افكاري وعارفة انا عملت ايه في حياتي كلها، لدرجة اني حسيت اني عريانة قدامها، الدكتور زعق فيا عشان أتجاهل كلامها وكأنها خطرفة مريض، بس الحاجة صرخت تاني وقالت:
“قولت النجسة دي متحطش ايدها عليا”
بعدت وانا خايفة عشان الممرضة والدكتور يشيلوا ويحطوها على السرير، وفضلت نظرتها تطاردني وكأنها نظرة ملك المـ,ـوت، خرجت من العنبر وسبت الدكتور يحطها على الأجهزة الخاصة بالسرير اللي بتقيس مؤشراتها ومن جوة لسة سامعة صوتها الثابت الصارم بيردد:
“إنا لله وإنا إليه راجعون”
سبتها ووقفت في الشباك أدخن سيجارة تانية وانا من جوايا بسب وبلعن فيها، دخلت غسلت جسمي في الحمام وخرجت، لقيت الدكتور بينادي عليا عشان اساعده في اننا نقلبها على جمبها، بس الغريب انها معترضتش المرة دي، سابتني المسها، بس فضلت نفس النظرة القاسية تطاردني بيها..
ولازالت عمالة بتردد نفس الذِكر، لدرجة ان صوت الذِكر كان بيتعبني اكتر من صوت اهات المرضى، وغصب عني كنت محتاجة أفصل، أفصل بالمخدر الأقوى، استنيت تلت ساعات لما الدنيا هديت خالص وخدت الست المسكن والدور فضي واتصلت لتاني مرة في نفس الليلة بعلي بتاع الأمن وجهزت الأوضة من تاني..
وبعد نص ساعة كنت انا وهو لوحدنا في الأوضة بنمارس الفاحشة بكل صورها، كانت اهات المرضى كلها ألم، انما انا بتكلم من المتعة والمخدر اللي انا فيه، ووسط اللي احنا فيه ده لقيت باب الاوضة بيتفتح بهدوء تام وشوفت عيون بتبص علينا، عيون الحاجة وفية، نفس العيون الغضبانة اللي كلها وعيد، اتنفضت وصرخت لقيت علي كتم صرختي، شاورت ناحية الباب بس كانت العيون اختفت، خرجت بسرعة وانا جسمي كله بيترعش وهو خاف وقلق ونزل بسرعة وسابني..
دخلت الحمام أغسل نفسي وانا عمالة أترعش ومش قادرة أسيطر على نفسي، الحمام كان فيه دش صغير كنت دايما بستحمى فيه، قلعت هدومي ونزلت تحت الدش وانا بحاول اتمالك أعصابي، بس من برة بدأت أسمع صوت خطوات دخلت الحمام، خطوات هادية بطريقة مستفزة ومخيفة جدا جدا، مين هيدخل الحمام بالليل، كل الحالات استحالة تقوم من سريرها، ومحدش بيدخل الحمام ده غيري، ناديت على اللي برة عشان يرد عليا بس مكنش بيرد..
وحسيت ان فيه شيطان برة هيدخل دلوقتي ويقـ,ـتلني، وقبل ما انطق نور الحمام بتاع حمام المستشفى اتطفى تماما، وحسيت بخبطات خفيفة على باب الحمام من برة، شوية وشوفت أكتر من ٢٠ عين حمرة شيطانية في قلب الحمام، وكأن الحمام فيه عشر شياطين، وكلهم كانوا بيبصوا ناحيتي، وبالأخص على جسمي، كان عندي يقين بده، والاسوأ إني حرفيا كنت حاسة إن جسمي بيتحرق من نظراتهم، وراودني إحساس بالعار والخزي، كل ده وانا لساني جاتله حالة جفاف وجسمي كان مشلول، مبيتحركش، وفجأة سمعت وشوشة في ودني بتقول:
“مكسوفة من نفسك ومن أفعالك يا حقيرة ولا لا”
الكلام كان عامل زي الحمم النارية اللي بتتصب في ودني، وكملت الوشوشة وقالت:
– الناس بتتحرق وانتي مبتتعظيش، عشان كدا هنحرقك زيهم
وحسيت وقتها بنار، نار بتاكل في جسمي، وقتها قدرت أتحرك، فتحت الباب وجريت، جريت زي المجنونة، ولقيت نفسي فجأة عريانة وفي نص الدور، وكأن فيه حاجة بتتعمد تحسسني بالخزي والعار، دخلت حمام تاني استخبيت فيه وانا مش عارفة هستر نفسي بإيه والهدوم في الحمام إياه، ووسط رعشتي ورعبي قعدت في ركن الحمام اتنفض، ومن برة بدأت أسمع نفس صوت الخطوات من تاني، وظهرت قدامي، الحاجة وفية، مكانتش محروقة، كانت سليمة وعاملة زي الأبطال الخارقين، ضخمة اوي ووشها منور ونظرتها عاملة زي السهم..
بدأت اتنفض اكتر وقولتلها:
– أبوس ايدك استريني
وبدون ولا كلمة لقيت نظرتها اتغيرت وحدفت عليا هدوم، هدومي اللي كانت في الحمام، لبستها بسرعة وهي كانت اختفت من قدامي، اختفت تماما، خرجت أجري وقعدت على السلم أبكي، أبكي بمرار وخوف مالوش حدود، وقتها اتحركت ناحية اوضتها، لقتها بنفس الوضع تحت الأجهزة، ولسة بتردد بثبات:
– إنا لله وإنا إليه راجعون
قربت منها ودموعي نازلة زي الشلال، كانت مغمضة بس أول ما قربت منها فتحت، وبصت ناحيتي بصة مخيفة، بس لما شافت دموعي لانت نظرتها، ولقتها بتشاور عشان أقرب، قربت ناحيتها بخوف شديد لقتها بتشدني عشان أقرب ودني منها، كانت عايزة تتكلم:
– ندمانة
– اة والله ندمانة ونفسي حد يساعدني
– كفى بالمـ,ـوت واعظا يا بنتي، وانتي شوفتي أصل الدنيا، شوفتي حقيقتها، وشوفتي النـ,ـار والمـ,ـوت، ازاي متعظتيش من كل ده
بكيت أكتر واكتر وقلت:
– كنت عايزة أي مسكن يقويني على اللي انا فيه
– كم واحد بيجي محروق زيي كدا وساكت مبيصرخش
– انتي وبس يا حاجة
– عشان معايا مسكن أقوى من المسكنات الحرام، معايا ذكر الله اللي عشت عمري كله بردده، كل ما بحس بوجع بردده الوجع بيروح، الخنقة بتروح، حتى المشاكل بتختفي، ليه يابنتي ناخد مسكنات حرام ومعانا ذِكر الله
وقتها كانت دموعي بتسيل وقولتلها:
– انصحيني يا حاجة
– ذِكر الله يا بنتي، إنا لله وإنا إليه راجعون معناها اننا كلنا لله، جسمنا وأرواحنا ودمنا، هو اللي خلقنا، وإليه هنرجعله، عايز ياخد دراع، رجل، جلد، عايز يخلينا نتقطع، نتشرح براحته، هو مولانا وكل اللي فينا ومعانا له، ومهما ياخد مننا بنشكره، لأننا كلنا منه وراجعين له، وكلنا يعني كل خلية وكل عرق فيك له، عشان كدا يابنتي مش مستاهلة معاصي، خليكي معاه لأنك له وإليه ومنه، هو الله يا بنتي
معرفش ليه كلامها خلاني أحس بسكينة رهيبة، وحسيت بالراحة ناحية كل الحالات اللي هنا، ايه يعني اتحرقوا طالما جلودهم ولحمهم من خلق الله وراجعين له، وطالما ده قدره فاحنا راضيين، راضيين والله، ابتسمت وقولت:
– انتي بتتحركي يا حاجة
لقتها ابتسمت وقالت:
– مش انا يا بنتي، دول عباد صالحين كانوا بيصحوني لصلاة الفجر وبيساعدوني بأمر الله، حبوا يدوكي درس بس درس يعلمك صح، ومتنسيش إنا لله وإنا إليه راجعون
وماتت، ماتت الحاجة ووقعت فوق منها أبكي بانهيار، الدكاترة جريوا عشان يلحقوها بس كانت ماتت، ماتت وهي بتقولي ان اغلى مسكن في الكون هو ذكر الله، وان حتى وجع النار بيسكن لو عندك يقين في الذِكر نفسه، وكان لازم اتوب، اتوب توبة نصوحة، وان شاء الله هعيش باقي عمري على جملة واحدة اتعلمت معناها..
“إنا لله وإنا إليه راجعون”
بقلم: أحمد محمود شرقاوي
………
لو