عريس

“يا بنتي ده عريس زي الفُل”

قالتها أمي وابتسامة مشرقة بتزين وشها وبتحاول بكل الطرق انها تزين العريس ده في عنيا، وليه متعملش كدا وهو واحد جاي وعنده شقته جاهزة من كل حاجة، وعنده عربية كويسة وشغال شغل كويس قادر انه يفتح منه بيت..

وقتها كانت قدامي صورة شهاب، شهاب اللي حبينا بعض من غير ما نتكلم اكتر من تلت كلمات، اول ما عنيه لمعت ناحيتي كلمني عشان يقدر يتواصل مع أهلي، بما ان ابويا ميت فهو راح لوالدتي واتكلم معاها انه عاوزني بس ظروفه صعبة شويتين، وقالها انه مينفعش يكلمني من غير علمها او ياخد طريق غير طريق البيت لإن ده الدين ودي الأصول، وكمان اللي شجعه على ده انه قريبنا..

احترمته جدا وكبر في عيني اكتر، بس والدتي اديته مهلة سنة يحل مشاكله واللي اكبرها انه بيجهز اخته ومعندوش شقة وبعدها يجي يتقدم، واني هستناه لحد ما يجهز، ومشي شهاب وانهاردة بس جه وائل يتقدم، وامي كانت طايرة بيه من الفرحة..

واشتغل الزن على الودان اللي اقوى من السحر نفسه، شاب جاهز من كله وهيعيشك في مستوى كويس، ولما جبت سيرة شهاب لقيت المقارنة اشتغلت، وطبعا كلها بتصب ناحية وائل، حتى لما قولتلها ان شهاب محترم ومتدين جدا قالتلي ان الاحترام مش هيأكلك. بعدين مهو وائل اهو محترم برضه..

وعشان مبقاش كدابة انا كمان كان فيه جزء جوايا مايل ناحية وائل، وائل يعني الرحمة من زحمة المواصلات، يعني الفلوس والشقة التمليك، اما شهاب يعني الايجار والبهدلة والفقر..

وانا عارفة ان الفقر قادر يقهر الف راجل وراجل، ولما جه وائل يزورنا تاني لقيت نفسي بقتنع بيه، يمكن حاولت اتدلع شوية واخلي أمي تقنعني بيه، ويمكن عشان اوهم نفسي اني مجبورة عشان لو ضميري أنبني ناحية شهاب..

واتخطبت انا ووائل، وطبعا لأنه جاهز مكنش فيه سبب اننا نأخر الجواز، تلت شهور بس واتحدد يوم الفرح، ونسيت ليلتها الدنيا كلها وركزت على الفستان والتباهي بالفرح اللي في قاعة فخمة في نادي كبير، وكانت ليلة من ألف ليلة وليلة، رقص وضحك وهزار، يمكن اللي فصلني اني شوفت شهاب يومها في القاعة بيبصلي، معرفش جه امتا وازاي..

بس وقتها شوفت في عنيه نظرة انكسار رهيبة، لدرجة اني لمحت دمعة بتلمع جوة عنيه، واختفى بعدها وحاولت انسى، مانا لازم انسى عشان أعرف اعيش، وعدت الليلة وبعدها اسبوع وكمان شهر، وكانت الحياة جميلة، هادية، قاعدة في شقة فخمة ومصروفي معايا وعربية جوزي بتوديني اي مكان عاوزة اروحه..

بس بعد ايام بدأ الشيطان يكشف عن أنيابه، والشيطان ده كان وائل، بدأ العذاب لما شوفته في ليلة قاعد في الصالة وبيدخن سيجارة، شكل الدخان والسيجارة كان بيقول ان دي سيجارة حشيش مش سيجارة عادية..

وقتها خدت أقل صدمة في وائل وقولتله:

– انت بتشرب مخدرات

ابتسم بهدوء شديد وقالي:

– تحبي تشربي معايا

كان بيكلمني بكل برود الدنيا وكأنه بيشرب قهوة مش حشيش، حسيت وقتها بالغيظ وسبته ودخلت اوضتي، مفيش دقايق ولقيته داخل الاوضة وبيقرب مني، زقيته بغضب وانا حاسة بالقرف منه، ونزلت الصدمة التانية عليا على هيئة قلم نزل على خدي وصوته الغليظ بيقول:

– انتي هتعملي فيها الطاهرة الشريفة، امال انا متجوزك ليه

وقبل ما استوعب اللي حصل لقيته بيتهجم عليا ولا كأنه واحد بيغتصب واحدة، حسيت لحظتها بكل قهر الدنيا وانا جسمي مستباح ومش قادرة حتى ادافع عن نفسي، احساس صعب جدا وبيخليك انسان بلا قيمة ولا كرامة، انسان بلا مشاعر، مجرد بهيمة بيستغل جسمها شخص تاني عشان يشبع شهوته..

ليلتها قعدت ابكي وانا مقهورة، الاحساس الزائف جوايا خلاص راح وبقيت شايفة كل حاجة على حقيقتها، الحقيقة المجردة اللي بتخلي قلبك يرتجف من الخوف وعقلك يستوعب السواد اللي انت داخل عليه..

وطالما ضربني مرة فهيضربني ألف مرة، ومن يومها خدت حياتي منحنى مخيف، بقا بيشرب في البيت وحتى في اوضة النوم، علاقتنا بقت عبارة عن قرف، وكأنه اغتصاب مش علاقة زوجية مقدسة، كلامه بقا عبارة عن شتايم قذرة واستهزاء بيا في الرايحة والجاية..

واتكشفت قدامي كل حاجة، وائل كان مدمن حشيش وأفيون وأوقات كان بياخد كيميا، ومع الوقت كان مخه بيضيع اكتر واكتر، وحتى شكوتي لأمي كان دايما مجرد كلام، وكان الرد العادي:

“كل البيوت بيحصل فيها كدا”

“طالما مش بخيل معاكي يبقا أي حاجة تانية تتعالج”

وكانت بتقدر تدس كلمات تخليني اترعب من فكرة الطلاق او حتى التفكير فيها، وكلها ايام وعرفت اني حامل، وغرزت اكتر واكتر في المصيدة..

ورغم حملي مكنش ده بيوقفه، الاهانة مستمرة والضرب بل وزادت لو اتأخرت عن حاجة هو عايزها، مكنش متفهم أي متاعب بتحصلي بسبب الحمل..

وولدت سها، وبقيت بستخبى فيها من حياتي المخيفة دي، لدرجة اني كنت ببكي في حضنها مش هي اللي بتبكي في حضني، وزاد وائل في شرب المخدرات بكل أنواعها، بل بقا بيرجع كل يوم الفجر وهو مغيب عن الواقع، كنت بتحاشاه بقدر الامكان بس المصيبة لما كان بيرجع عشان ياخد غرضه مني، كنت بعيش وقتها جحيم على الأرض..

وكلها سنة ونص وغرزت اكتر وخلفت مصطفى، وزاد وائل في قرفه بدون ما يعمل أي حساب لإنه بقا أب لولد وبنت..

اتقبض قلبي في ليلة لما حسيت ان فيه حدث كبير هيغير كل حاجة في حياتي، وللأسف الحاسة كانت صادقة جدا، يومها لقيته جاي من برة وبيقولي جهزي كل حاجة في الشقة عشان هنعزل منها.

جسمي كله اتنفض من كلامه وعرفت انه باع الشقة كلها لأنه اتنصب عليه في مبلغ كبير وكان هيتحبس، وللأسف انصعت لكلامه وروحنا نسكن في شقة إيجار، ومن ضيق لضيق بدأت الحياة تدوس علينا، مفيش فلوس، مفيش رعاية، اهانة، حياة أشبه بالجحيم..

كبت، كبت، كبت لحد ما جه في ليلة وكان عايزني من تاني، وقتها بس كنت انفجرت فيه، صرخت فيه وشتمته وطلعت فيه غضب تلت سنين من القهر والذل، بس هو كان استحالة يسكت، ونزل عليا بعفش البيت كله تقريبا لحد ما خلى جسمي عبارة عن بحيرة دم وشوية عضم متكسر..

رجعت لأمي منهارة، بموت، واخيرا اتحرك احساس الامومة جواها، وقالتلي مترجعيش غير لما يجي ونحط شروط، انا مش هستنا لما يقتلك، وقتها بس خدت نفس، حسيت ان لسة فيه حد في الدنيا بيخاف عليا..

وبعد اسبوع جه، كنت حاسة تجاهه بكل غضب الدنيا، عايزة اهينه اخود ولو جزء يسير من حقي، بس مكنتش متوقعة اني لما هرد عليه بقسوة وأمي هتهزقه هيقوم يضربني قدامها ويفضحنا..

كان ده أكبر من استيعابي بس حصل، واتهزقت واتضربت واتشتمت قدام أمي والجيران كلهم، وأخيرا جه قرار الطلاق اللي وافقت عليه أمي، بس هو رفض، وحلف يمين انه مش هيسبني..

ومكنش فيه حل غير المحاكم، كلمت امي وقولتلها:

– وهنجيب منين اتعاب المحامي واحنا مش معانا حاجة

قالتلي بنبرة قهر:

– ربك هيحلها وهيبعت لنا حد ابن حلال

ونمت ليلتها بتوجع من جسمي اللي متدغدغ، تاني يوم لقيت امي بتقولي اننا هنروح للمحامي، وقالتلي ملكيش دعوة بحاجة..

روحت معاها وركبنا عربية خمس دقايق لحد ما وصلنا عند عمارة كبيرة، طلعنا الدور التاني و

ولقيت مكتوب على اليافطة:

مكتب المحامي

“شهاب الدين موسى السيد”

واتنفض جسمي كله، بصيت لأمي بخوف وقلتلها:

– مين ده ؟

– هو يابنتي شهاب، ربنا كرمه وفتح مكتب وبيقولوا انه محامي شاطر اوي

لطمت على وشي وقولتلها:

– هي المشكلة شاطر ولا مش شاطر، مش شهاب ده اللي كسرناه زمان وموافقناش بيه

– ايوة يابنتي بس محترم وهيقف جمبنا

بصيتلها بصة غضب وقولتلها:

– يعني دلوقتي الاحترام بقا بيأكل عيش، مش كان زمان الاحترام ده مش حاجة حلوة

بصتلي وسكتت خالص عشان اكمل كلامي واقول:

– انا مش هدخل ادخلي لوحدك

امي سابتني وقربت من باب المكتب بس كان مقفول، بصتلي وقالتلي:

– اهو المكتب مقفول

حمدت ربنا وجيت انزل لقيتها بتخبط على الشقة اللي جمب المكتب، استغربت من اللي بتعمله وقبل ما اسأل عن السبب لقيت الباب بيتفتح، وظهر شهاب..

وقتها كأن الزمن كله وقف بيا، بصلنا بابتسامة بسيطة ورحب بينا جدا، كنت بتمنى يشتمنا او يطردنا، بس ترحيبه ده كان بيضغط عليا اكتر واكتر..

امي قالتله:

– احنا واقعين في مشكلة كبيرة يا شهاب يايني

بص لوشي الوارم من الضرب وبعدها ركز على عنيا، شوفت نظرة شفقة وحزن، مع اني كنت بتمنى اشوف شماتة، كنت عاوزاه ياخد حقه مني، رد على أمي وقالها:

– انا تحت امرك يا عمتي

وحكت له أمي على كل حاجة بالتفصيل، فضل يكتب ويسجل وفي الأخر قالنا انه هيرفع دعوة خلع للضرر وهيكسبها بإذن الله، في الوقت ده دخلت علينا بنت وكأنها حتة من الجنة، لابسة لبس واسع ومبتسمة وكأن وشها هو القمر نفسه، ابتسم لها شهاب وقالها:

– دي خالتي مها وبنتها

رحبت بينا البنت اوي عشان يقولها:

– لو سمحت ممكن تضايفي ضيوفنا بقا

ابتسمت له ابتسامة ملائكية وقالتله:

– ودي محتاجة كلام

معرفش ليه وقتها فرحت، فرحت انه خد واحدة تستحقه، واحدة عارفة قيمته، نظرات عنيهم كانت بتحكي الف حكاية عن الود والمحبة اللي بينهم، حتى في استئذانه منها انها تضايفنا، ربنا يسعدهم، مسكت دموعي بالعافية وأصريت اننا نمشي..

وفعلا كان شاطر جدا، لأنه قدر يكسب الخلع، وقدر انه يكسب حضانة الأطفال بإسمي، وافتكرت اني خلاص اتحررت، بس بعد حكم المحكمة بيوم واحد لقيت باب الشقة بيخبط بعنف..

وأول ما فتحت شوفت الشيطان في وشي، كانت عنيه حمرة وشكله مخيف، وكأنه شارب سحابة مخدرات، بصتله بخوف وقولتله:

– انت جاي عايز ايه

– بقا انا اتبهدل في المحاكم بسببك يا قذرة

وقبل ما استوعب حاجة لقيته دخل البيت ومسك بنتي الصغيرة بالعافية وقالي:

– انا هحرمك منها خالص

وقتها بدأت في الصراخ، مسكته من رقبته بكل قوتي وقولتله:

– على جثتي

واتحول لوحش عنيف، لقيته طلع المطواة من جيبه وحركها قدام عنيا وقال:

– لو قربتي هقتلك البت

وخرجت امي من الاوضة وفتحت في الصراخ والاستغاثة بالناس، وفي لحظة شديت بنتي منه عشان يمسكها بقوة ويقولي:

– طب اهو

وشوفت بعنيا المرعوبة السكينة بتترفع وتنزل على صدر بنتي..

واتحولت لانتحاري متمكن من شغله، ولفيت بجسمي كله عشان تنزل السكينة في ضهري انا، شهقت شهقة عنيفة لما حسيت بجسم بارد دخل جوة جسمي، تنميل غريب مسكني ودوخة غريبة، وقعت بالبنت على الارضة وغطتها بجسمي، وشهقت مرة تانية لما حسيت بالسكين بيخترق ضهري تاني..

في اللحظة دي الدنيا كلها اسودت، كل اللي سمعته صوت صراخ، وشوفت جوزي واقع على الأرض متكتف و

وشوفت شهاب اللي كان مكتفه، وضلمت الدنيا كلها..

بقلم: أحمد محمود شرقاوي

…………

انا اتعالجت، مع اني كنت بتمنى اني اموت، واتحقق معايا مرة واتنين في النيابة، وكل ما كنت ببص ورايا بلاقي شهاب واقف معايا، وده كان بيقطع في قلبي اكتر من السكينة اللي قطعت جسمي..

لحد ما جه ميعاد المحكمة، وطمنا شهاب انه هيجيب له حكم بالسجن مش أقل من سبع سنين، وقعدت يومها اسمع شهاب بيكلم القاضي بصوت قوي، وكأنه فارس من الفرسان مش مجرد راجل عادي..

كل اللي فاكراه واتحفر في ذهني قبل الحكم على وائل بالسجن هي كلمات شهاب:

– مشكلتنا يا سيادة القاضي في الثقافة، ثقافتنا عن الجواز بقت عبارة عن شقة ومهر وشبكة، محدش بقا بيفكر في الانسان اللي قدامه، مع ان الحل كله يا رايس جه في حديث رسولنا الكريم

“اذا جائكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه”

بس الناس بقت ماشية بمبدأ اذا جائكم من ترضون شقته فزوجوه، بنت الرسول كان مهرها درع قديم، عشان كانت هتتجوز راجل اسمه علي ابن أبي طالب وهيصونها اتنازلت عن كل حاجة، شافت قدامها راجل وبس، اما احنا بناتنا فبنعاملهم انهم احسن من بنت الرسول وللأسف ده خلى ألف كارثة تحصل في مجتمعنا..

ولقيته بصلي في عنيا بقوة وقال:

– يا رايس، اذا جائكم من ترضون خُلقه ودينه فزوجوه

وابتسمتله والدموع بتنزل على خدي زي الشلال..

بقلم: أحمد محمود شرقاوي

“تمت بحمد الله”

……………….

لو

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *