مدرسه

أول ما اتخرجت اشتغلت مُدرسة عربي في مَدرسة ثانوي خاصة في مرسى مطروح، المدرسة كانت على شط البحر في منطقة معزولة نسبيًا، ده غير إن المدينة أصلًا هادية لحد كبير، أما السكن فكنت واخدة أوضه في بنسيون صغير بينه وبينها عشر دقايق مشي، كان البنسيون الوحيد في المنطقة، ده غير إني كنت معتقدة أنه الأأمن ليا عشان فيه ناس كتير ساكنة حوليا، وكمان صاحبته مدام “ماري” كانت ست طيبة رغم قلة كلامها مع النزلاء.

كنت بدرس للتلت صفوف واللي كان عدد طلاب كل فصل فيهم مايعديش عشرين طالب وطالبة، ما إحنا كنا في التسعينات وقتها.

الحقيقة ما بذلتش مجهود كبير عشان أندمج مع الطلاب، لأنهم كانوا ودودين بشكل كبير، خاصة طلاب سنة تانية، بالتحديد تانية تالت الفصل اللي ماكانش بيغيب فيه طالب أو طالبة واحدة، وكان متجاوب معايا وشاطر جدًا، وده كان بيحسسني بنتيجة شغلي عشان كده كانوا المميزين عندي.

لكن مش دايمًا الحلو بيكون كامل، لأن كان منهم طالبة واحدة هي اللي كانت دايمًا بتبصلي بِغِل وغضب وكأن بيني وبينها تا*ر بايت، حتى تفاعلها معايا في الحصة كان معدوم، لكني مش هخليها تأثر عليّ، وكنت بتجاهلها تمامًا، لحد ما في يوم وأنا بشرح لقيتها قايمة من مكانها والغضب في عينيها شر*ار نا*ر، وأخدت الطباشير من ايدي وكتبت حرفين متفرقين (س..م) على السبورة وسابتني ورجعت مكانها تاني.

روحت وراها أسألها:

– إيه ده؟.. ويعني إيه؟ سم يعني إيه؟

فتحت كتابها وابتدت تفر في صفحاته بعصبية من غير ما ترد بحرف، عشان جرس الحصة يضر*ب، وأسيبهم وأمشي.

فضلت طول الليل وأنا بفكر في “صوفيا” وفي الحرفين اللي هي كتبتهم، وفي طريقة معاملتها ليا، لحد ما روحت في النوم وصحيت الصبح على صوت المنبة المزعج.

وابتديت يوم تاني في حياتي، لكني كنت واخدة قرار بأني أركز أكتر مع “صوفيا” وأحاول اكتشافها مش تجاهلها، وفعلًا بمجرد دخولي الفصل رجعت آخر الصف ووقفت جنبها وأنا كاشفة كل الطلبة قدامي، وابتديت أشرح الدرس وعيني على “صوفيا” اللي ولتاني مرة تحس بالغضب وتقوم تكتب حرفين جداد على السبورة، والمرة دي كانوا (ح.. ب)، وبرضة جت قعدت مكانها وابتدت تفر في الكتاب بكل عصبية.

الحروف ما كنتش لاقية ليها أي معنى غير كلمة (حب)، لكن إيه علاقة السـ*ـم والحب ببعض؟!.. وليه “صوفيا” ما بتتفاعلش معايا غير بالحروف؟!.. كملت الحصة وأنا عقلي مع “صوفيا” لحد ما الجرس رن وده كان جرس المرواح، لأنه كان نص يوم دراسي عشان تجهيزات حفلة عيد الأم اللي المفروض تتعمل بكرة، بس الغريبة وعلى عكس لهفة كل طلاب المدرسة للخروج، مفيش طالب ولا طالبة اتحركوا من مكانهم.

بعد ما كنت هخرج من الفصل رجعت مكاني وأنا ببصلهم وأقولهم:

– مش مروحين ولا إيه؟

هنا وقف “أمجد” من مكانه وهو بيقولي:

– فصلنا عامل عرض في حفلة بكره يا ميس، عشان كده هنقعد نعمل بروڨة سوا.

هزيت راسي بموافقة وخرجت وفقلت الباب ورايا، لكني سمعت أصوات غريبة كأنها رفرفة أجنحة طيور بتخبط في الحيطان، التفت أفتح الباب، لكنه كان مقفول من جوه بالمفتاح، فقولت في نفسي:

– يمكن ابتدوا البروفة.

وروحت على البنسيون وأنا تفكيري كله مع حروف “صوفيا” الأربعة (س..م..ح..ب) ومع الصوت اللي سمعته بعد خروجي.

وعدى ليلي، وطلع النهار وروحت المدرسة اللي ماكانش فيها يوم دراسي أصلًا، الكل كان بيستعد للحفلة اللي ابتدت على الساعة عشرة في وجود كل اولياء الأمور بما فيهم مدام “ماري” اللي ماكنش ليها أي أولاد أو أحفاد في المدرسة، لكن الغريبة إن فصل تانية تالت واللي قالي “أمجد” إنهم مشتركين بعرض في الحفلة ما ظهروش في أي مكان في المسرح، والحفلة ابتدت وخلصت وما قدموش أي عرض.

استغربت وروحت لميس “هالة” المسئولة عن الحفلة أسألها:

– أومال فين عرض تانية تالت، أنا سمعت إنهم مشتركين في الحفلة.

بصتلي “هالة” باستغراب وهي بتهز راسها بعدم فهم وبتقولي:

– تانية تالت مين يا “فاطمة”؟!.. سنة تانية عننا فصلين بس.

حسيت بصدمة ومن قوتها ماقدرتش أرد عليها، رغم إن كل الكلام بيتقال جوه دماغي، لكن لساني رافض ينطقه.

سابتني”هالة” ومشيت، وكل الناس ابتدت تمشي، لكن رجليا أخدتني للفصل، اللي دخلته لقيت طلابه العشرين قعدين مكانهم وكأنهم منتظرين حصتهم.

رجليا اتسمرت مكاني، وأنا مش فاهمة ولا مستوعبة أي حاجة من اللي أنا فيها، ولأول مرة أقعد على الكرسي بتاعي أبص لهم في صمت، لحد ما “صوفيا” قامت من مكانها وكتبت على السبورة حرفين جداد (و.. ة) ، ورجعت قعدت مكانها بكل هدوء، ونظراتها اللي كانت كلها غضب اتحولت لنظرات أهدى بكتير.

ما استنتش الجرس يضر*ب، مجرد ما رجليا اتحسنت قومت من مكاني مشيت وأنا معايا حروف ستة (س..م..ح..ب..و..ة) مش فاهمة علاقتها، لكني قررت إن أفهمها وأجمع كل حاجة تخصها.

مجرد ما وصلت البنسيون، لقيت مدام “ماري” ولأول مرة تبتسم لي وتسألني:

– انتي كويسة؟

وقفت أبصلها للحظات طويلة قبل ما اسألها:

– انتي كنتي في حفلة المدرسة النهاردة ليه؟

سابتني وراحت قعدت مكانها وهي بتقولي:

– ده يوم الترفيه الوحيد بالنسبالي من يوم ما حولت بيتي للبنسيون ده، عشان كده ما بفوتوش.

سيبتها وروحت أوضتي وأنا منتظرة طلوع النهار بفارغ الصبر، واللي طلع وأنا لسه قاعدة على مكتبي وقدامي كومة ورق متقطع كبيرة.

وصلت المدرسة، وطلعت على الفصل حتى ما ماضيتش في دفتر الحضور، الغريبة إن أول مرة أدخل ألاقي كل الطلبة واقفين في انتظاري وعاملين نص دايرة، تجاهلتهم تمامًا، وروحت ناحية السبورة أكتب الحروف منفصلة زي ما بعتوها (س..م..ح..ب..و..ة) قبل ما أكتب تحتها الكلمة اللي سهرت الليل أجمعها واللي كنت واثفة بنسبة كبيرة إنها صح، وده اتأكدت منه مجرد ما كتبتها (محبوسة) لقيتهم كلهم وقفوا جنبي، أما “صوفيا” فأخدت مني الطباشير وحطت الكلمة اللي أكدت شكي بنسبة مليون في المية (أرواحنا) .

هنا الجملة اكتملت وبقا ليها معني (أرواحنا محبوسة)، وكده اللعبة ابتدت.

اتلفت ناحيتهم وأنا رامية كل خوفي من قلبي، ومقررة إني أساعدهم، أساعد الأرواح العشرين المحبوسة، واللي لحد اللحظة دي ما فهمتش إيه سبب حبسهم في فصل وحيد في الدور التالت، اللي محدش بيطلعه غيري.

لحد ما لقيت “صوفيا” بتتلفت لهم زيي وهي بتقول بنبرة حزن بتترعش:

– كنا فصل المتفوقين في المدرسة، وكنا بنعمل تجربة لو كملت كانت ساعدت مرضى سرطان كتير في العلاج، لأنها ببساطة كانت جهاز صغير بيتركب في الكتف، يصدر نبضات تجمد الخلايا السرطانية وتوقف نشاطها لحد ما تمو*ت تمامًا.

سكتت “صوفيا”، وابتدى “أمجد” يتكلم بنبرة مكسورة:

– المدرسة شجعتنا، وجابت لنا كل المعدات اللي إحنا عايزنها، وطلبت مننا إن شغلنا يكون في سرية تامة، وعنها المديرة طلعتنا الفصل ده عشان يكون بعيد عن دوشة المدرسة، وكانت بتجيب لنا كل اللي بنطلبه، لحد ما خلصنا الجهاز ودخل في مرحلة التجربة.

الحزن اللي كان مرسوم على وشوشهم كان بيقول إن الخذلان اللي اتعرضوله أكبر بكتير من قدرتهم على التحمل أكبر من أي سـ*ـم اتدس في كلام حب، وده اللي أكدته “صوفيا” اللي كملت كلام “أمجد”:

– فجأة المديرة قالت لنا نستناها في الفصل بعد اليوم الدراسي، لأن جوزها دكتور الأورام المشهور عايز يقابلنا، فضلنا نرسم في خيالنا مليون سيناريو أقل واحد فيهم إننا بنتكرم من الرئيس، وكل الصحف بتتكلم عن عشرين “أحمد زويل” جداد، لكن فجأة الباب اتفقل علينا من بره، وابتدي غاز قوي يملا المكان.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *