بمجرد ان ربح خطيبي
بمجرد أن ربح خطيبي عشرين مليون جنيه، حوّل إلى حسابي خمسة عشر جنيهاً فقط لينهي علاقتنا ظناً منه أنه تخلص مني، دون أن يدري أن التذكرة التي في حقيبتي ربحت ستين مليوناً.
في يوم إعلان نتيجة السحب، لم يهدأ هاتفي عن الرنين، وتوالت اتصالات كريم حتى قاربت أكثر من عشر مكالمات وبات الجهاز ساخناً في يدي. وبمجرد أن فتحت الخط، باغَتَني صوته المرتجف وهو يصرخ بفرح هستيري كسبنا! والله كسبنا! عشرون مليون جنيه!
أمسكت كوب الماء وضغطت عليه بقوة حتى ابيضّت أصابعي. حاولت التحدث ومشاركته اللحظة، لكنه قاطعني بلهفة وعجلة قائلاً انتظري لحظة… سأرسل إليكِ نصيبكِ حالاً.
مرت ثوانٍ معدودة حتى اهتز الهاتف بإشعار بنكي، ففتحت تطبيق التحويلات بقلب يخفق، متوقعة اقتسام الثروة، لكنني صُدمت بإيداع قدره خمسة عشر جنيهاً لا غير، وكُتب في خانة الملاحظات ثمن ورقة اليانصيب… حسابنا انتهى.
ظللت أطالع الرقم بدهشة ومرارة؛ فلأول مرة أشعر بأن الضحك قد يحمل في طياته وجعاً أقسى من الدموع. وعلى الطرف الآخر، واصل كريم حديثه بحماس غامر كأنه دخل عالماً يخصه وحده أول ما سأفعله هو شراء سيارة بورش باناميرا، ثم أهدم منزلنا القديم في البلدة لأبني فيلا من ثلاثة طوابق، وستجري أمي عمليتها الجراحية في أرقى مستشفى خاص على يد أكبر طبيب في مصر…
تلاشى صوته في أذني كأنه يأتيني من وراء سنين طويلة، ولم أعد أرى أو أسمع سوى تلك الخمسة عشر جنيهاً. نحن مرتبطان منذ ثلاث سنوات، اعتدنا خلالها في كل أسبوع شراء تذكرتي يانصيب؛ هو يختار أرقام بطاقته، وأنا أدفع قيمة التذكرتين بواقع خمسة عشر جنيهاً لكل واحدة، ويحتفظ كلّ منا ببطاقته. واليوم، حين ابتسم له الحظ وربح العشرين مليوناً، أعاد إليّ ثمن تذكرته ليقطع حبل الوصال قائلاً حسابنا انتهى.
شعرت بغصة حارقة في حلقي، لكنني تمالكت نفسي وقلت بهدوء حسناً… فهمت.
تنفس بارتياح واضح وأردف بنبرة مستقرة انظري يا سارة، ظروفي الآن تبدلت، وصار بيننا فارق كبير لن يكون البقاء معه عادلاً بحقكِ. أنتِ إنسانة طيبة، وستجدين بلا شك من يناسب ظروفكِ الحالية.
حتى في لحظة تخليه، كان يلقي عليّ كلمات المواساة الجاهزة. ابتسمت بسخرية وأجبته حسناً.
فقال سآتي بعد قليل لأخذ أغراضي ونضع حداً فاصلاً لكل شيء.
قلت تفضل.
أنهيت المكالمة دون أن ألتفت إلى العصير الذي أعددته. توجهت مباشرة إلى درج مكتبي، وأخرجت تذكرتي التي اشتريتها بمفردي من وراء ظهره، واخترت أرقامها مستوحاة من تاريخ ميلادي. فتحت موقع نتائج السحب ودققت في الأرقام مرة واثنتين وثلاثاً؛ كانت كل خانة مطابقة تماماً لأرقام الجائزة الأولى مضافاً إليها الجائزة الإضافية… قيمة الجائزة ستون مليون جنيه.
أعدت الورقة بحرص إلى مكانها، وأقفلت الدرج بالمفتاح، ثم خطوت إلى الصالة وقلبت الصورة التي تجمعنا ليصبح وجهها نحو الحائط. نظرت إلى ساعتي مقدرة المسافة بين منزله ومنزلي بأربعين دقيقة، لكنني كنت واثقة بأنه سيتوجه إلى البنك أولاً، ثم يبشر عائلته ويستقبل التهاني، ولن يتذكرني قبل ساعتين، وكان ذلك وقتاً كافياً لترتيب خطوتي القادمة.
جلست أمام الحاسوب وبحثت عن أكبر مكتب محاماة متخصص في قضايا الممتلكات والنزاعات المالية في القاهرة. اتصلت بالرقم، وحين ردت السكرتيرة قلت لها أحتاج إلى محامٍ متخصص ليعد اتفاقاً قانونياً صارماً يشمل التنازل ونقل الملكية وإثبات الإقرارات الشفهية فور حدوثها.
سألتني عن قيمة الممتلكات محل النزاع، فنظرت عبر النافذة نحو الغيوم وقلت شقة سكنية، ووعد شفهي وشيك الحدوث… وأشترط حضور المحامي شخصياً خلال ساعتين ومعه معدات تسجيل وتوثيق كاملة.
نالت شروطي القبول السريع، فأمليتها العنوان وأغلقت الخط، ثم شربت كوباً من الماء البارد لأهدئ روعي، وتمتمت في سري أتمنى فقط يا كريم ألا تتراجع، بل أن تتمادى لتتكشف حقيقتك بالكامل.
وبعد ساعتين، قُرع جرس الباب. تحققت من العين السحرية فرأيت كريماً وخلفه والدته، السيدة أمينة، التي كست وجهها ملامح الغطرسة. رسمت على وجهي هدوءاً وفتحت لهما.
هبت مع دخولهما رائحة عطر نفاذة، كأنها إعلان عن ثرائهما الطارئ. وقف كريم متوارياً خلف أمه عاجزاً عن النظر في عينيّ، بينما دخلت هي بخطوات متغطرسة وكأنها تملك البيت، وألقت نظرة احتقار على المكان قائلة ألا يزال البيت على حاله؟
تجاهلت تعليقها ودعوتهما للدخول بهدوء. خلع كريم حذاءه بحرج، في حين خطت أمه بكعبها العالي فوق خشب الباركيه دون مبالاة، ومررت أصابعها على الأريكة ونفضت غباراً متوهماً عن ردائها باشمئزاز، ثم بادرت بالقول كريم أصبح ثرياً اليوم وفاز بعشرين مليوناً، وأخيراً أنصفنا الحظ.
باركت لها ببرود قائلة ألف مبروك.
أزعجها هدوئي وعدم انفعالي، فتابعت رافعة رأسها من المؤكد أنكِ تدركين ضرورة التكافؤ الطبقي. في السابق كنتِ تلائمين وضعه، أما اليوم، فكم يبلغ راتبكِ؟ خمسة عشر ألفاً أم عشرون؟ كريم بات مليونيراً والهوة بينكما اتسعت كثيراً.
حاول كريم إيقافها ممسكاً بطرف ثوبها يا أمي، يكفي هذا…
لكنها نحّت يده بحدة وزجرته اصمت أنت، لن أدع أحداً يستغلك. هذه الشقة دفعنا نحن مقدم حجزها حين كنا نجهزك للزواج، ولولا إصرارك حينها على كتابة اسمها شريكة معك لما كان لها فيها أي نصيب. وبما أن كل شيء انتهى، فالأولى أن تعود الشقة لأصحابها الأصليين.
ابتسمت في سري لإدراك غايتهما الحقيقية، ثم واجهتها بهدوء لقد نسيتِ التفاصيل؛ فمقدم الشقة كان خمسين ألف جنيه، دفعتُ أنا ثلاثين ألفاً وساهمتم أنتم بعشرين، واعتبرها كريم حينها جزءاً من المهر والشبكة. أما الأقساط الشهرية فقد تحملتها بالكامل من مالي الخاص، وكافة التحويلات البنكية مثبتة.
احتقن وجه أمينة وردت بتوتر هذا غير صحيح، كان ذلك المبلغ سلفة دين، ولم تكن هناك شبكة ولا خلافه.
تدخل كريم بصوت أعلى يا أمي!
ثم التفت نحوي مبرراً يا سارة، يمكننا تسوية الأمر ودياً؛ فأنا سأشتري فيلا واسعة، لكن أمي ترغب في الاحتفاظ بهذه الشقة من أجل زواج أخي الأصغر مستقبلاً.
تأملت وجهه بدهشة من سرعة تبدله؛ فقبل ساعات كان يتحدث عن تأسيس أسرة معي، والآن يختلق الأعذار لسلبي حقي في المسكن. فسألته تريدان مني إذن التخلي عن الشقة لكما؟
قاطعت أمه بحسم لسنا نطلب منكِ التنازل تفضلاً، بل هي حقنا من البداية.
صمتُّ لبرهة قبل أن أرد بمنتهى الرصانة موافقة.
تبادلا النظرات بذهول وعدم تصديق لسهولة إذعاني، بينما بدت الفرحة على ملامح كريم وتهللت أسارير والدته التي سألت متشككة أحقاً توافقين؟
أومأتُ برأسي مؤكدة نعم، ولكن بشرط واحد.
توترت أمه وقالت بحدة ستبدئين بالمساومات المالية بلا شك! انظري جيداً يا سارة، الملايين العشرون حق خالص لكريم لا تملكين فيها قرشاً، وبإرجاعنا ثمن التذكرة بخمسة عشر جنيهاً انقطعت كل الروابط والحسابات بيننا.
واجهت نظراتها بثبات تام وأوضحت لا أطمع في مليم واحد منكم، كل ما أطلبه هو تدوين هذا الأمر رسمياً في وثيقة قانونية ملزمة يوقع عليها الجميع.
تساءل كريم بارتياب وحيرة أي وثيقة تعنين؟
عندها ابتسمت ابتسامة واثقة ونابعة من يقيني بأن تفاصيل المواجهة الحقيقية لم تبدأ بعد ..
بعد ساعتين بالضبط… جرس الباب رن. بصيت من العين السحرية، لقيت كريم واقف قدام الباب، وفي إيده بوكيه ورد كبير. ابتسمت بسخرية. واضح إنه افتكر إن الورد هيغطي على