ابنها الغني مشي ورا أمه لحد بيت مهجور وهناك اكتشف الخېانة اللي إخوته كانوا مخبيينها عنه. أحمد لقى شبشب أمه مستخبي تحت سرير مبلول، في بيت سقفه واقع وجدرانه متشققة، بينما كانت آخر رسالة على موبايله من أخوه بتقول ماما كويسة جدًا متقلقش عليها. فضل واقف يبص للشبشب. هو بنفسه كان جايبهولها هدية في عيد الميلاد. كان عليه ورد مطرز، وبقعة قهوة قديمة أمه حاولت تشيلها كذا مرة ومقدرتش. في آخر الأوضة، كانت أمه فاطمة ماسكة جردل. أول ما شافته، حطته على الأرض ببطء. وقالت بصوت هادي ماكانش لازم تمشي ورايا يا أحمد. بص لأوضة البيت المتهالكة، للأدوية المتكومة فوق صندوق كرتون، ولصورة أبوه المټوفي اللي أمه حطاها جوه كيس بلاستيك علشان التراب ما يوصلهاش. وبعدين سألها بقالك كام ليلة بتنامي هنا؟ أمه ما ردتش. أحمد حس إن نفسه اتقطع. لحد الصبح ده، كان مقتنع إن أمه عايشة حياة هادية في بيت العيلة. هو كان صاحب شركة توزيع كبيرة، بيسافر كتير، وكل شهر بيحوّل لها مبلغ كبير لمصاريفها. أخوه الكبير محمود كان ماسك حساباتها من بعد ۏفاة أبوهم. وأخته سمر، اللي كانت عندها صيدلية، كانت مسؤولة عن توفير أدويتها. كل حاجة كانت باينة منظمة. كل ما أحمد يتصل بأمه، كانوا يقولوا له نفس الكلام ماما كويسة. مش ناقصها حاجة. ركز إنت في شغلك وسيبها علينا. وكان أحمد بيصدقهم. لحد الأسبوع اللي فات. رجع من سفرية شغل وقرر يروح لأمه من غير ما يقول. دخل البيت، لقاها في الحوش بترتب الزرع. شعرها الأبيض كان مربوط، ولابسة فستان أزرق واسع عليها أكتر من المعتاد. أول ما شافته حضنته بفرحة، لكنه لاحظ إنها كل شوية تبص ناحية طرقة البيت. سألها أنا جيت في وقت مش مناسب؟ ابتسمت بسرعة لأ يا حبيبي أدخلك أعملك قهوة. دخل المطبخ. لقى شوية عيش، طبق فول، ونص ثمرة بابايا. فتح التلاجة يدور على اللبن، فاتفاجئ إن معظم الرفوف فاضية. ماما، إنتوا ماعملتوش طلبات البيت؟ قالت وهي بتحاول تتجنب عينيه بجيب على قد احتياجي. كان هيفتح تطبيق البنك ويبعت لها فلوس زيادة زي عادته. لكن عينه وقعت على شنطة صغيرة جنب الباب. جواها بطانية، هدوم، وعلب أدوية. سألها إنتِ مسافرة؟ قربت الشنطة منها وقالت بكرة. أجي معاكي. ردت بسرعة لأ، مش محتاجة. رفع عينه لها. كانت أول مرة يشوف أمه متوترة بالشكل ده. وفي اللحظة دي سمع صوت مرات أخوه محمود، نجلاء، جاية من الصالة وهي بتتكلم في التليفون عن مكاتب وإنترنت. خرج أحمد يبص. المكان اللي كان زمان فيه مكتبة أبوه، بقى مليان كراتين وملفات تخص شركة محمود. سأل هو محمود بيشتغل من هنا دلوقتي؟ أمه ردت بسرعة مؤقتًا لحد ما يظبط مكتبه. وماقالتش حاجة تانية. لكن أحمد بدأ يشك. تاني يوم الصبح، وقف عربيته بعيد عن البيت. ماكانش فخور بنفسه إنه بيراقب أمه. لكنه كان حاسس إن فيه حاجة مستخبية عنه. الساعة 820، خرجت أمه لوحدها. مشت لحد موقف الأتوبيس وركبت بصعوبة. أحمد ركب عربيته ومشي وراها من موقع أيام نيوز بعيد. الطريق خرج بيهم ناحية أطراف المدينة، وبعد وقت طويل وصلوا لمنطقة بعيدة مليانة أراضي مسورة وبيوت لسه تحت الإنشاء. نزلت أمه من الأتوبيس. حطت الشنطة على كتفها، ومشت في طريق ترابي. أحمد ركن عربيته ونزل وراها. كان فاكر إنها رايحة تزور واحدة صاحبتها. أمه طول عمرها بتحب تساعد الناس. وهو صغير كان بيشوفها توزع أكل على الجيران، حتى في الأيام اللي ماكانش الأكل فيها مكفي البيت. لحد ما وصلوا لباب حديد قديم. أمه طلعت مفتاح من جيبها. فتحت الباب. ودخلت. أحمد استنى شوية وبعدين قرب. أول ما دخل البيت، وقف مكانه. السقف كان واقع في جزء كبير منه. الشباك متغطي بكرتونة. وفي الأوضة الوحيدة اللي شكلها ينفع للنوم، كانت فيه سرير قديم، شنطة أدوية وشبشب أمه. وصورة أبوه. بص لأمه وقال بصوت مخڼوق ماما أنا سألتك بقالك كام ليلة بتنامي هنا؟ قعدت على طرف السرير. كام ليلة. من إمتى؟ سكتت. وبعدين قالت من حوالي شهرين. أحمد حط إيده على بقه. فجأة افتكر كل حاجة. سفره. اجتماعاته. الفنادق. والمكالمات اللي كان بيرفض يرد عليها لأنه داخل اجتماع. طلع موبايله بسرعة. لكن أمه مسكت إيده. ماتكلمش محمود دلوقتي. بص لها باستغراب. محمود ماله؟ أغمضت عينيها. أحمد نزل لمستواها وقال هو اللي طردك من بيتك؟ أمه بصت لصورة جوزها المټوفي، ودموعها بدأت تنزل. وقالت هو ماقالش إنه طردني سكتت لحظة. وبعدين كملت قال إن البيت بقى ملكه وإن وجودي فيه بقى مجرد فضل منه. أحمد اتجمد. إزاي يعني ملكه؟ أمه ما ردتش. قرب منها أكتر ماما، البيت باسمه؟ هزت راسها ببطء. لأ يا أحمد. أمال إزاي قدر يعمل كده؟ رفعت عينيها له وقالت لأن أبوك كتب البيت باسمي قبل ما ېموت. أحمد اټصدم. لكن الصدمة الأكبر كانت لسه جاية. لأن أمه مدت إيدها تحت المرتبة وطلعت ملف قديم. وقالت محمود وسمر ماكانوش بس بيصرفوا على البيت زي ما كانوا بيقولوا لك. فتحت الملف قدامه. كانوا بيسحبوا فلوس من حسابي كل شهر. قلب أحمد الورق بسرعة. أرقام ضخمة. تحويلات. توقيعات. وعقود. وفي آخر الملف كان فيه مستند بتاريخ قبل ۏفاة والده بأيام. أحمد قربه من عينه. وبعدين رفع رأسه لأمه ماما هو إيه ده؟ أمه مسحت دموعها وقالت ده المستند اللي يثبت إن إخواتك باعوا حاجة مش ملكهم والحاجة دي كانت سبب إن أبوك ماټ وهو خاېف عليهم. لكن أحمد ماكانش يعرف إن المستند ده مش هيكشف خېانة إخواته بس ده هيكشف كمان إن والده قبل مۏته بأيام، كان عارف بالضبط هما بيخططوا لإيه. حكايات بسمة أحمد كان وافق في نص الأوضة المتهالكة، صدى صوت المطر والتراب بيلف حوليه، والملف الورقي في إيده وزن كل صفحة فيه كأنها جبل. قرب المستند الأخير من عينه.. الورقة كانت أصلية، ومختومة بختم مكتب محاماة قديم، وفيها توقيع والده عبد الجليل اللي كتبه بإيديه المرتعشة قبل ۏفاته بأسبوع واحد بس. قعد أحمد على الأرض جنب ركبتين أمه فاطمة، وركبته خبطت في الجردل الصدي. صوته طلع مخڼوق ومش مصدق أبويا.. أبويا كتب التنازل ده ليه يا ماما؟ والورقة دي بتقول إن محمود وسمر خدوا توكيل رسمي بالبيع والشراء للمزرعة الكبيرة وبيت العيلة في الفيوم قبل ما أبويا ېموت بكام يوم؟! فاطمة مسكت إيد أحمد بكل قوتها، ودموعها نزلوا على تجاعيد وشها أبوك ماماتش بسكتة قلبية طبيعية يا أحمد زي ما قالوا لك وأنت مسافر دبي.. أبوك ماټ بال حسرة والمقالب اللي إخواتك عملوها فيه. أحمد عينيه وسعت من الصدمة حسرة إيه؟! اتكلمي يا أمي فهميني! فاطمة أخدت نفس عميق، وبصت لصورة جوزها المخبية جوه الكيس البلاستيك أبوك قبل ما ېموت بشهر، اكتشف إن محمود أختلس مبالغ ضخمة من صيدلية أخته سمر ومن شغل المزرعة، وكان عليه شيكات بدون رصيد وهيتسجن. محمود وسمر يجوا لأبوك، وبكوا تحت رجليه، وترجوه يوقع لهم توكيل عشان يبيعوا قطعة أرض صغيرة يسددوا بيها الديون ويحموا محمود من السچن.. أبوك طيبة قلبه وشرارة خوفه على عياله خلته يوقع التوكيل. سكتت فاطمة لحظة، وبكائها زاد لكن الاستغلاليين ما اكتفوش بأرض المزرعة.. محمود زوّر التوكيل واستخدمه في إنه ينقل ملكية بيت العيلة الكبير اللي إحنا قاعدين فيه باسمه هو وسمر مناصفة، ورهنوا البيت للبنك عشان ياخدوا قرض بمليون جنيه يفتحوا بيه شركة محمود الجديدة! أحمد حس إن الډم بيغلي في عروقه.. كل الفلوس اللي كان بيحولها شهرياً لأخوه سمر ومحمود تحت بند مصاريف أمي وأدويتها، كانت بتدفع أقساط القرض اللي هما أخدوه بتزويرهم! طب وليه؟ صړخ أحمد والغل مالي حنكبته.. ليه طردوا أُمهم؟! ليه يرموكي في البيت المهدود ده وأنا بعت لهم ملايين عشان يعيشوكي ملكة؟! فاطمة بصت له بالانكسار عشان من شهرين البنك بعت إنذار بالحجز على بيت العيلة.. القرض اتأخروا في سداده. محمود حب يغير نشاط البيت ويأجره لشركة مقاولات عشان يدفع القسط.. ولما أنا اعترضت وقلت له ده بيت عبد الجليل وجدرانه فيها ريحته، محمود ونجلاء مراته قالوا لي بالنص البيت ده بتاعنا بالورق يا حجّة.. لو مش عاجبك عيشتك هنا، الشارع واسع، أو روحي البيت القديم بتاع أبوكي في أطراف البلد!. أحمد اتسمر مكانه. الأخ اللي كان بيبعت له كل يوم رسالة يقوله فيها ماما كويسة جداً.. متقلقش عليها.. كان جاره أمه زي الغريبة وراميها في بيت مهدوم سقفة واقع، عشان يدفع أقساط جشعه وتزويره! أحمد وقف على حيله، وعينيه بقت زي جمر الڼار. مسح دموع أمه، وقلع الجاكت الغالي بتاعه وحطه على كتافها قومي معايا يا أمي.. قومي من المزبلة دي. هتروح فين يا أحمد؟ هتتخانق معاهم؟ محمود معاه سلاح وممكن يقتلك! أحمد ابتسم ابتسامة باردة ومرعبة أنا مش هروح أتخانق يا أمي.. أنا هوريهم ابن عبد الجليل اللي سافر وجمع قرشه بعرق جبينه، إزاي بياخد حق أمه وأبوه بالقانون وبالأصول. في نفس الليلة.. في بيت العيلة الكبير، كان محمود قاعد مع أخته سمر ومراته نجلاء في الصالة. كانوا بيشربوا شاي وبيحسبوا أرباح تأجير البيت للشركة الجديدة، وبيتضحكوا. فجأة.. باب البيت الخارجي اتكسر بصوت هز العمارة! دخل أحمد، ووراه ثلاثة من أعتى المحامين في المحافظة، ومعاهم قوتين من الشرطة ورجال التنفيذ القضائي! محمود وقف مصډوم، الشاي اتدفق من إيده أحمد؟! إنت جيت إمتى من السفر؟ وأيه الشرطة دي اللي دخلاها بيتي؟! أحمد قرب منه بخطوات تقيلة، وبص له بنظرة كانت كافية تخلي محمود يرجع خطوتين لورا. أحمد طلعت ملف الورق ورماه في وش محمود بيتك؟ أنت متأكد إن البيت ده بيتك يا محمود؟ سمر قامت بسرعة وهي بتترعش أحمد إنت فاهم غلط! احنا كنا... أحمد رفع إيده بصرامة وصړخ بصوت هز الجدران اسكتي خالص يا سمر! الصيدلية اللي أنتِ فاتحاها بفلوسي، والبيت اللي سكنتوا فيه بأوراق مزورة.. النهاردة كله هيتقفل! المحامي الكببر اللي مع أحمد خطى خطوة للأمام وطلع قرار من النيابة العامة محمود عبد الجليل، وسمر عبد الجليل.. صدر ضدكم أمر ضبط وإحضار پتهم الاستيلاء على أموال قاصر، وتزوير عقود ملكية رسمية مستغليين توكيل ملغي، والحصول على قروض بنكية بطرق غير مشروعة، بالإضافة للتقرير الطبي اللي يثبت تعريض حياة السيدة فاطمة والدتكم للخطړ والإهمال الجسيم! محمود وشه اتخطف ولونه بقى زي الطباشير، بص لأحمد وصړخ أحمد! إنت بتبلّغ عن إخواتك عشان خاطر شقة قديمة؟! دي أمنا وهي اللي وافقت تسيب البيت بكيفها! أحمد قرب منه ومسكه من زقمة بدلته، وقال بصوت واطي وناعم زى السکينة أمي وافقت عشان هي طيبة وأصيلة.. لكن أنا لأ. الشبشب المطرز المبلول اللي أنا لقيته تحت السرير في البيت المهدوم، يسوى رقبتك ورقبة أختك والشركة بتاعتك كلها. العساكر هجموا على محمود وسمر وكلبشوهم، ونجلاء مراته بقت بتصرخ وتبكي وتتوسل لأحمد يا أحمد عشان خاطر عياله! سامحه يا أحمد! أحمد بص لها ببرود أنا سامحت كتير.. لكن اللي يجي على أمي، ملهوش عندي مسامحة ولا رحمة. بعد شهرين.. محكمة الجنايات أصدرت حكمها بالسجن المشدد 7 سنين لمحمود، و 3 سنين لسمر پتهمة التزوير والاستيلاء على الممتلكات. البيت الكبيرة اتسحب منه الرهن بعد ما أحمد دفع كل ديون القرض للبنك، ورجعت الملكية رسمياً وبأوراق موثقة باسم الحجة فاطمة. في عصر يوم جمعة دافي.. أحمد كان قاعد في حوش بيت العيلة الكبير، جنبه أمه فاطمة لابسة فستان جديد وأنيق، وقاعدة بترتب الزرع والورد في الصالة، وبتحط القهوة على الترابيزة. أحمد جاب لها صندوق هدايا كبير، وحطه قدامها كل سنة وأنتِ طيبة يا أمي.. بمناسبة رجوعك لبيتك. فاطمة فتحت الصندوق.. لقيت شبشب جديد غالي ومطرز بالورد، وجنبه القماشة القديمة اللي فيها صورة جوزها المټوفي بعد ما أحمد برقعها وحطها في برواز خشبي فخم مذهب. فاطمة حطت إيدها على البرواز، ودموع الفرحة والراحة نزلت من عينها ربنا يخليك ليا يا أحمد.. أنت السند الحقيقي اللي أبوك سابهولي في الدنيا. أحمد باس إيد أمه ورأسها وقال بثبات طول ما أنا حي يا أمي.. مفيش مخلوق في الدنيا يقدر يحرمك من حقك ولا يكسر خاطرك أبداً. تمت