مش هصرف عليك

مش هصرف عليكي تاني!” قالها لي جوزي بعد ما سمع كلام أمه، وزّته عليا وعشّت في دماغه.
رديت عليه بكل هدوء وقلت له: “تمام يا ابن الأصول!”، ومن ساعتها بطلت أدفع في أكلُه، وبطلت أصرف على عزومات عيلته الأسبوعية اللي كانت بتاكل الأخضر واليابس.
بعد 3 أيام بس.. كلهم جم متوقعين لحمة وفراخ ومحاشي وحلويات وأكل ياخدوه معاهم في شنط، لكن اللي كان على السفرة كان حاجة محدش فيهم كان يعمل لها حساب ولا يتخيلها في أحلامه.
نرجع لشوية لورا.. من حوالي أسبوع، كنا قاعدين في الصالة، ولقيت شريف جوزي واقف فوق راسي، حاطط إيده في جنبه وبيقول بلهجة واحدة مستقوية كأنه بيلقي عليا حكم إعدام: ابتداءً من نص الشهر الجاي، كل واحد يدفع لنفسه. أنا تعبت من إني بصرف عليكي، واللي معاكي هاتيه، ومفيش قرش هيطلع من جيبي ليكي تاني!
هالة حطت كوباية الشاي بنعناع على الترابيزة بالراحة، وبصت له وابتسمت. رد فعلها ده كان آخر حاجة هو متوقعها في الدنيا! كان فاكر إنها هتعيط، أو هتصرخ وتقول له حرام عليك، أو تروح تشتكي لأهلها.
أصل الحكاية إنهم كانوا عايشين في شقة واسعة ومترتبة في حي العباسية. هالة عندها 31 سنة، وبتشتغل مديرة عمليات في شركة شحن وتصدير كبيرة. مرتبها كان تقريبًا ضعف مرتب شريف، اللي شغال مهندس في شركة مقاولات على قدها. بس هالة بنت أناس، عمرها ما استغلت الفرق ده ولا حسسته إنه أقل منها، ولا طلعت الكلمة من لسانها في يوم.
من يوم جوازهم من 4 سنين، وهي اللي شايلة البيت على كتافها.. أكل، فواتير كهربا ونور وغاز، منظفات، وهدايا لعيلته في كل المناسبات. وفوق ده كله، كانت بتحب الطبخ جدًا.. بعد يوم شغل طويل ومقرِف بين شحنات متأخرة ومشاكل الجمارك، كانت بتدخل المطبخ وتلاقي راحتها في العجن والتواجن وريحة الأكل الحلوة.
شريف اتعود على الراحة دي بسرعة الصاروخ، وللأسف جحدها، وبطل يحس إن دي نعمة وواجب عليه يصونها.
وكانت الكارثة الكبرى بتتكرر كل يوم جمعة الساعة 1 الضهر؛ عيلته كلها تهلّ.. أمه الحجة هدى، وأخوه تامر، ومراته عبير، وتلاتة عيال أشقياء بياكلوا ويحطوا إيديهم في كل حتة.
وهالة؟ كانت بتعمل لهم عزومة الملوك! طواجن لحمة بلدي في الفرن، بيكاتا، مكرونة بشاميل غرقانة قشطة، سلطات وأصناف حلويات وعصاير فرش. كانت بتصرف لها في العزومة الواحدة مش أقل من 4 لـ 5 آلاف جنيه ويمكن أكتر، وتقف من صُبحية ربنا 6 ساعات على رجليها عشان ترفع رأس جوزها قدام أهله.
والحجة هدى بقى؟ كانت بتيجي ومعاها شنطة قماش كبيرة، جواتها علب بلاستيك فاضية وأكياس! تقعد على السفرة، تاكل وتتمطق، وبعدين تلوّي بوزها وتقول: اللحمة ناشفة شوية يا هالة.. والسلطة عايزة لمون، والمكرونة ملحها خفيف!
وبعد ما يخلصوا أكل، تدبس في المطبخ تملأ العلب بكل بواقي الأكل.. لحمة، فراخ، طواجن، حلويات. وتامر وعبير ياخدوا أكل يكفيهم كذا يوم في بيتهم، ولا حد فيهم يقول لها تسلم إيدك، ولا حد يفكر الأكل ده اتكلف كام ولا مين اللي جابه ومين اللي وقف يتكسر ضهره في المطبخ!
في ليلة من الليالي، هالة قعدت تراجع حساباتها البنكية على الموبايل، واكتشفت المفاجأة.. اكتشفت إنها صرفت خلال سنة واحدة بس اكتر من 220 ألف جنيه على أكل وشرب وعزومات عيلة جوزها! وبرضه سكتت وقالت يلا.. عشان خاطر شريف والبيت يفضل مفتوح.
لحد ما من أسبوع، الحجة هدى كانت قاعدة بتاكل محشي عند هالة، وفتحت بؤها وقالت بثقة: دلوقتي الزمان اتغير يا شريف يا ابني.. الأزواج العصريين الشاطرين بيعملوا حسابات منفصلة، وكل واحد يشيل نفسه، عشان محدش يستغل التاني وياخد خيره!
شريف بص في الأرض ومردش، وهالة فهمت اللعبة فورًا.. الفكرة مسمومة وجاية من الحجة هدى عشان تخلي ابنها يحوش فلوسه لنفسه، وهي فاكرة إن هالة عايشة على قفاه!
خلال الأسبوع ده، شريف فضل يقرأ مقالات على الفيسبوك، ويسمع لكلام زميله المطلق في الشركة، ويرمي كلام في الراحة والطالعة عن الستات المفترين اللي بياخدوا تحويش العمر، لحد ما جاب خره في الليلة دي وقال لها: أنا تعبت من إني بصرف عليكي!
هالة بصت له كام ثانية، ووزنت الأمور في دماغها، وقالت بهدوء يغيظ: تمام جدًا.. من بكرة كل واحد يدفع أكله، ومصاريفه، وعزوماته، وكل حاجة تخصه. ولا مليم مشترك بيننا!
شريف اتفاجئ وتنّح: إيه ده؟ مش هتتخانقي ولا تعيطي؟ هالة ابتسمت: وليه أتنكد؟ إنت عايز استقلال مالي؟ هتاخده حاف ومن غير سكر كمان!
تاني يوم الصبح، شريف صحي من النوم ودخل المطبخ وهو متوقع يلقى الفطار المعتاد.. الفول بالزيت الحار، والبيض بالمشروم، والتوست المحمص.
لقى هالة قاعدة على السفيرة، بتاكل سلمون مدخن مع أفوكادو وبيض بوشيه، وبتشرب قهوة فريش ريحتها تجنن.
وقدامه هو؟ المطبخ فاضي تمامًا!

فتح التلاجة بلهفة، لقى كل حاجة جوة محطوط عليها استيكر وردي مكتوب عليه بخط واضح: (خاص بـ هالة).

تنح وقال بغيظ: وأنا هاكل إيه إن شاء الله؟!
هالة مسكت شنطتها الماركة وقامت وقفت، وبصت له ببرود: اللي تقدر تشتريه بفلوسك وتعمله بإيدك يا شريف بيه!
وقبل ما تفتح الباب وتمشي، التفتت له بابتسامة زي العسل: آه، وبالمناسبة.. النهاردة الجمعة وعيلتك جاية على الغدا، أكيد عارف هتقدم لهم إيه ومتظبط نفسك!
شريف وقف في نص المطبخ مش قادر يتحرك، بيبص للتلاجة الفاضية اللي كان فاكر إن كل اللي فيها ملكه وماله.. وشعر برعب حقيقي لما تخيل شكل أمه لما تدخل المطبخ ده كمان كام ساعة!
الساعة جابت واحدة الضهر.. والجرس رن رنتين ورا بعض.
شريف جرى على الباب وفتحه وهو بيعرق من التوتر، دخلت الحجة هدى الأولى كالعادة، وفي إيدها الشنطة القماش اللي فيها العلب الفاضية، ووراها تامر وعبير والعيال.
استنشقت الهواء وقالت باستغراب وهي بتبص حواليها: إيه ده يا شريف؟ فين ريحة الأكل والتقلية؟ المطبخ مطفي ليه يا ابني؟!
شريف حاول يبتسم ابتسامة صفرا ومزيفة: أصل.. الأكل لسه بيتحضر يا أمي، ادخلوا استريحوا.
دخلوا قعدوا في الصالة، وهالة كانت قاعدة على الكنبة المتطرفة، لابسة شيك جدًا، وماسكة رواية بتقرأها بهدوء ولا كأن في أي حاجة غريبة بيحصل حواليها!
الحجة هدى مقتنعتش بكلام ابنها، ودخلت المطبخ على طول عشان تشوف الحجج بنفسها.. وبعد ثواني معدودة، صوتها جاب آخر الشارع وهي بتزعق: ياااا شريف!!! فين الأكل؟! المطبخ يصفُر ويعدُد!!
المطبخ كان فاضي زي الصفيحة.. مفيش فرخة، مفيش حتة لحمة، مفيش حلة رز، ولا حتى طبق سلطة خيار!
بس كان في حاجة واحدة بس محطوطة في نص ترابيزة المطبخ بكل نظام.. ورق مطبوع ومترتب، وكل ورقة مليانة أرقام وحسابات!
خرجت الحجة هدى من المطبخ وهي ماسكة الورق بإيدها ووشها جايب ألوان من الغضب والذهول: إيه الجنان ده؟ إيه الورق ده يا سي شريف؟!
هالة قفلت الرواية ببطء، وحطتها جنبها، وقامت وقفت بكل هيبة وثقة: ده حساب السنة اللي فاتت يا حجة هدى.
شريف بلع ريقه بالعافية وحس إن ركبه بتسيب: حساب إيه يا هالة؟
هالة ابتسمت ابتسامة خفيفة بس عينيها كانت بتطلع شرار: حساب كل عزومة اتعملت في البيت ده، ولكل أسبوع جيتوا فيه وكلتوا وشربتوا وأخدتوا معاكوا شنط أكل.
سكتت لحظة، وبصت في عين الحجة هدى وكملت: 52 أسبوع.. في متوسط 4500 جنيه للعزومة الواحدة.. يعني حضرتك بتكلمي في حوالي 234 ألف جنيه!
الصالون كله سكت كأن على رؤوسهم الطير.. تامر بص لأخوه شريف وهو مصدوم ومفتح بؤه: إيه ده يا شريف؟ إنت كنت بتدفع كل ده كل أسبوع من جيبك؟!
هالة ردت بمنتهى الهدوء والبرود: لا يا تامر.. أنا اللي كنت بدفع من جايبي ومرتبي طول الـ 4 سنين اللي فاتوا.
الحجة هدى حاولت تضحك ضحكة صفرا وتداري خيبتها: يا بنتي إنتي بتهزري ولا اتجننتي؟ دي عزومات عيلة وأصول وجدعنة!
هالة هزت رأسها بثبات: بالظبط! وعشان هي عزومات عيلة، وعشان ابنك شريف قرر إن كل واحد يدفع لنفسه وميرميش حموله على التاني، فمن بكرة كل واحد يدفع نصيبه في الأكل والعزومات!
وسحبت ورقة تانية من على الترابيزة ومدتها لشريف: ودي بقى فاتورة تكلفة عزومة النهاردة لو حابب إن أدخل المطبخ وأطبخ لك ولأهلك دلوقتي.. شامله الأكل والمجهود.
شريف مسك الورقة وإيده بترتعش.. أرقام، أسعار اللحمة، الخضار، وأجرة الوقفة في المطبخ! وش وشه بقا أصفر زي الليمونة، وقال بصوت واطي: إنتي بجد مش هتطبخي؟
هالة ردت بمنتهى البساطة والبرود: أنا خلاص بطلت أصرف على حد يا شريف.. مش إنت اللي قلت مش هصرف عليكي تاني؟ أنا نفذت كلامك بالظبط!
في اللحظة دي، العيال الصغار بدأوا يفركوا ويهمسوا: يا بابا يعني مفيش أكل ولا حلويات النهاردة؟ إحنا جعانين أوي!
عبير بصت لتامر جوزها بارتباك شديد، ووشها احمر من كثر الإحراج، ومش عارفة تداري كسفتها فين وسط العيال واللمة.
الحجة هدى شدت الشنطة القماش الكبيرة بتاعتها بعصبية ونطرته في الهواء وهي بتتحسب: إحنا مش محتاجين الأكل ده ولا يلزمنا، خير ابننا مالك الدنيا وشايلنا!
لكن قبل ما تكمل كلامها، خرج صوت قرقرة بطن واحد من الأطفال عالي وسامعه الكل في الصالون، يتبعه صوت الطفل الصغير وهو بيشد في ذيل فستان أمه بيعيط بحسرة: يا ماما أنا جعان أوي، مش إحنا جايين ناكل بط وبشاميل هنا زي كل مرة؟
في اللحظة دي، الصمت بقى تقيل ومخنق بطريقة تجرح.
شريف حس ولأول مرة في حياته إنه اتحط في موقف زبالة قدام عيلته وأمه، وشه بقى يجيب ألوان، وعرقه نازل يغرق ياقة قميصه.
بص لهالة كأنه بيستنجد بيها بالعين. لكن هالة كانت واقفة بثبات وشامخة، حاطة إيد في إيد، ومستنية اللحظة دي من زمن عشان تحط نقط الحق على الحروف.
وبهدوء شديد ونبرة ثلجية قالت: الاستقلال المادي مش هو ده اللي كنت بتنادي بيه يا شريف؟ ولا الاستقلال عندك معناه تاكل خير غيرك وتنسبه لنفسك؟
الكلام وقع على الكل زي الصاعقة، الحجة هدى حاولت تتمالك نفسها وتعدل وقفتها، بس التوتر والغيظ كانوا مفضوحين في هزّة صوتها وهي بترمق هالة بنظرات كره: إحنا مش جايين نتحاسب يا هالة، إحنا أصحاب بيت مش زبائن!
هالة ردت بكل برود وهي بتبتسم بثقة: ولا أنا كنت فاتحة المطبخ ده مطعم مجاني وسبيل لكل من هب ودب على حساب صحتي وفلوسي.
شريف حس إن أرض الصالون بتهتز تحت رجليه، عين تروح لأمه اللي عيونها بتطق شرار، وعين ترجع لهالة اللي واقفة زي الجبل، ومش عارف يقف في صف مين ولا يلم الفضيحة دي إزاي.
تامر أخوه حاول يهدي الجو ويفك المشحونة: خلاص يا جماعة، كبروا دماغكم، موضوع بسيط جداً.. نطلب دليفري أكل جاهز من بره والقمة تتلم وخلاص.
هالة رفعت حاجبها وقالت فوراً بكل تلقائية: فكرة ممتازة يا تامر.. وكل واحد يدفع ثمن أوردره ونيبه هو وعياله من جيبه.
عبير بصت لجوزها بتوتر وهمست في وذنه بسرعة: إحنا معنناش كفاية نطلب أكل جاهز للعيلة دي كلها بالأسعار دي يا تامر!
العيال بدأوا يزنوا ويكرروا بقلة صبر: إحنا جعانين يا بابا، هاتوا لنا أكل بقى!
الحجة هدى بصت لشريف بنظرة حادة زي السكين: مش هتتصرف يا شريف؟ سايب مراتك تبهدلنا وتصغرنا قدام بعض؟
شريف حس بالخزي، وجري طلع موبايله من جيبه بسرعة وهو بيداري خيبته: خلاص.. خلاص أنا هطلب أكل على حسابي للكل.
فتح تطبيق التوصيل، ودخل يختار الوجبات والطلبات، بس لما جه عند لحظة الدفع والدفع الإلكتروني، إيده اتجمدت على الشاشة ووقف فجأة. فيزا البنك مفيهاش رصيد يغطي الحساب، والفيزا الثانية مقفولة.
بص لهالة بتردد وانكسار وشحتة: هالة.. ممكن تدفعي من كارتك المرة دي بس وتنقذي الموقف؟
هالة ردت فوراً وبدون تردد ولا لحظة تفكير: لأ.. مش إنت اللي قلت مش هصرف عليكي؟ أنا كمان بطلت أصرف عليك وعلى اللي يخصوك.
الصمت رجع أقسى وأصعب من الأول، وتامر ضم حواجبه بضيق مكتوم: يعني إيه؟ هنمشي كده من غير أكل ومن غير حتى عزومة؟
هالة ابتسمت ابتسامة هادية جداً: القرار قراركم، والبيت مفتوح للي يحترم أصحابه وقوانينه.
الحجة هدى شدت الشنطة العلب بعصبية وجذبت يد أحفادها بغضب: يلا بينا يا بني، واضح إن في ناس شبعت بعد جوع وأخلاقها اتغيرت علينا!
قاموا واحد ورا الثاني بجرجروا رجليهم، والعيال بيبصوا وراهم بحسرة على سفرة كانت زمان بتمتلئ بالخير والبركة.
الباب اتأفل وراهم برقعة خفيفة. والشقة أخيرًا بقت هادية ونظيفة.
شريف فضل واقف في نص الصالة، مذهول ومش قادر يتحرك ولا يرفع عينه في مراته: إنتي عملتي كده ليه يا هالة؟ قالها بصوت منخفض ومكسور.
هالة بصت له بثبات وقوة: أنا معملتش حاجة غريبة.. أنا بس نفذت كلامك بحذافيره.
سكتت لحظة وهي بتمشي خطوات هادية ناحيته، وبعدين كملت: إنت اللي جيت لحد عندي وقلت إن كل واحد يصرف على نفسه وما يرميش حموله على الثاني.. أنا بس سمعت كلامك وعلمتك تعتمد على نفسك.
شريف قعد على الكرسي وهز راسه، حاسس لأول مرة إنه خسر السيطرة تماماً على بيته وحياته: بس مش بالطريقة القاسية دي قدام أهلي!
هالة قربت منه خطوة وقالت بصوت جوهري: الطريقة دي اسمها عدل وحق.. اللي نسيتوا تدوقوه لي طول الأربع سنين اللي فاتوا.
وبصت في عينه مباشرة وقالت: أو تحب نرجع زي الأول.. بس بشروط جديدة خالص؟
شريف رفع راسه بسرعة وشغف: شروط إيه؟ قولي للشرط اللي أنتِ عايزاه!
هالة ابتسمت ابتسامة خفيفة بس وراها شخصية جديدة وقوية: من النهاردة كل مليم يدخل أو يخرج من البيت هيتكتب ويتقسم بيننا بالعدل. العزومات مش مسؤوليتي لوحدي ولا وقفتي في المطبخ طاعة عمياء. وأهلك مش مسؤوليتي أصلاً.. عزومتهم وتكلفتها وخدمتهم عليك إنت ومن جيبك.
سكتت لحظة، وبعدين كملت بصرامة: ولو الكلام ده مش عاجبك.. يبقى كل واحد يعيش لوحده زي ما اقترحت من الأول، وننفصل بمعروف.
الكلام كان واضح وصريح ومفيهوش أي مجال للرجوع أو الفصال. شريف فهم أخيرًا إن الموضوع مش مجرد خناقة ستات أو زعلة يومين وهتعدي. دي نقطة تحول حقيقية في حياته وزواجه.
بص لهالة، بس المرة دي، مش شايفها الزوجة المطيعة الساكتة اللي اتعود يستغل طيبتها. شايف ست حاسمة، قررت توقف كل استغلال ومش ناوية ترجع خطوة واحدة لورا زي زمان.
عدّى يومين والبيت بقى هادي بشكل غريب ومريب. مفيش زيارات مباغتة، مفيش عزومات وتعب، مفيش صوت الحجة هدى وهي بتلقي كلام وتنتقد طعم الأكل.
بس في نفس الوقت، مفيش راحة ولا فرفشة عند شريف. كل يوم بيحاول يتأقلم مع وضعه الجديد. ينزل يشتري أكله بنفسه من السوبرماركت، يقف يطبخ لنفسه بيض وأرز، يغسل أطباقه، وينظف كراكيبه. حاجات كان فاكرها بسيطة وسهلة، طلعت بتهد الحيل ومرهقة جدًا بتاخد منه وقته وصحته.
في اليوم الثالث، رجع شريف من شغله في شركة المقاولات متأخر وطالع عينه من التعب. فتح باب الشقة، لقى ريحة أكل طالعة تجنن، ريحة طاجن لحمة بالبصل والفلفل طالعة من المطبخ وسادة الشقة.
دخل المطبخ بسرعة وهو ريقه جاري. لقى هالة بتطبخ بهدوء وترتيب، زي أيام زمان.
وقف شوية على الباب، وبلع ريقه، وبعدين قال بتردد وخجل: هالة.. ممكن آكل معاكي من الأكل ده؟
هالة بصت له، وسألته بهدوء وبرود: دفعت نصيبك في المقادير والتكلفة؟
شريف سكت لحظة، ووطى راسه للأرض، وبعدين قال بنبرة مكسورة: أنا آسف يا هالة.. حقك عليا.
الكلمة خرجت بصعوبة من زوره، بس كانت صادقة وطالعة من قلب اتعلم الدرس صح.
هالة ما ردتش فورًا، سابت المعلقة من إيدها وقعدت قدامه على الكرسي: أنا مش محتاجة اعتذار بالكلام واللسان يا شريف.
أعمل إيه طيب عشان أثبت لك؟ سألها بلهفة.
بصت في عينه وقالت بوضوح: تحترمني وتحترم تعبي، وتقدر اللي بعمله في البيت ده. وتفهم إن ده بيتنا إحنا الاتنين.. شريكين فيه، مش أنا الخدامة اللي بتطبخ بلاش ولا بنك تمويل العيلة.
شريف هز راسه بسرعة وتأكيد: عندك حق.. أنا غلطت في حقك وسمحت لأمي تدخل بيننا وتلعب في دماغي.
سكت شوية، وبعدين كمل بصرامة: وأنا كمان هكلم أمي وأفهمها الحدود، والموضوع ده مش هيتكرر تاني أبدًا.
هالة فضلت باصة له ثواني كأنها بتقيمه وبتوزن كلامه لأول مرة: تمام.. قالت بهدوء.. نشوف الأفعال مش الأقوال.
وقامت حطت طبق أكل دافي قدامه.
شريف بص للطبق.. كان أكل بسيط، بس لأول مرة حس إن الأكل ده له قيمة حقيقية وله طعم مختلف لأنه جه بعد احترام وتقدير. مسك الشوكة، لكنه وقف قبل ما ياكل، وقال: أنا فعلًا مكنتش شايف كل التعب والتضحية اللي بتعمليها عشاننا قبل كده.
هالة ردت بهدوء ورضا: المهم إنك شُفت وفهمت دلوقتي قبل ما نفقد بعض.
بعد أسبوع.. الجمعة جت كالمعتاد. لكن المرة دي، الوضع كان مختلف تماماً عن كل جمعة مرت في البيت ده.
شريف هو اللي صحي من بدري ودخل المطبخ بنفسه. اشترى كل طلبات العزومة بفلوسه ومن حسابه الخاص، ووقف يقطع الخضار وساعد هالة في التحضير خطوة بخطوة.
ولما عيلته وصلت ورنت الجرس.. دخلت الحجة هدى وبصت حواليها باستغراب، شايف الريحة حلوة والأكل محطوط على السفرة بنظام وشياكة: إيه ده؟ الأكل ده كله مين عامله وجايب مصاريفه منين يا شريف؟
شريف رد بثقة وهو ماسك إيد مراته: إحنا الاتنين عملناه يا أمي.. شاركنا في كل حاجة من أول القرش لحد وقفة المطبخ.
وبص لهالة بابتسامة فيها تقدير واحترام واضح قدام أهله كلهم.
هالة ابتسمت ابتسامة خفيفة وهي حاسة بكرامتها وقيمتها المرفوعة. لكن المرة دي، كانت ابتسامة رضا وراحة بال.
ومن يومها.. العزومات ما بقتش عبء ولا كابوس على حد في البيت. ولا حد بقى بياخد تعب هالة أو فلوسها كأنه حق مكتسب ومينفعش تشتكي منه.
أما الحجة هدى.. فبقت لما تيجي وتخلص أكلها، تشيل طبقها بنفسها وتوديه المطبخ، وترجع وهي بتقول بكسوف واحترام: تسلم إيدك يا هالة يا بنتي.. الأكل يجنن.
وأهم حاجة في إن شريف أخيرًا فهم إن الاستقلال والرجولة مش معناه إنك ترمي المسؤولية وتتخلى عن مراتك.. لكن إنك تشاركها في كل حاجة بعدل وأصول.
تمت
نرمين عادل همام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *